|
استطاع شبان عراقيون التخلص من لعنة الواقع المرير، وإسدال ستار خيالي يحجبهم عن الشارع الدامي، وعرفوا كيف ينسجون واقعهم الخاص بعيداً من الأشلاء المتناثرة من حولهم. واقع يتعايشون فيه ويتفاعلون مع غيرهم من الشبان العرب، بعيداً من جو الحرب والحزن والخوف، يناقشون فيه السعادة والصداقة والحب والمرح. وسيلتهم في ذلك رسائل الـ sms، أو غرف المحادثات الالكترونية. وفي حين أبت اللعنة إلا أن تحل على البعض الآخر منهم، فكان قدره أن يعيش المأساة بتفاصيلها الدقيقة لحظة بلحظة، ولأنه أيضاً غير بعيد من التقنية الحديثة، وقدرتها الساحرة على تقريب المسافات واختصار الأزمنة، قرر أن ينقل هذه المأساة لمن يعتقد أنهم خذلوه من العرب، كونهم إخوته الذين كان يعول على وقوفهم معه في محنته.
قرر أن ينقل المأساة ناقماً ومتذمراً ومتألماً وساخراً، بتلك الوسائط نفسها، فأصبحت تشاهد في غرف المحادثات وشاشات الفضائيات sms من النوع النازف، وأسماء مستعارة تحكي خيبات الأمل، وترغب في تفاعل حقيقي مع الواقع. شبان لا يعرفون دهاليز السياسة ولا مصالح أساطينها، لكنهم يتطلعون إلى أخٍ يشاطرهم المرارة ليحلو مذاقها، فيشعرون بأن الأمل لم ينعدم بعد في يد تمتد، أو صدر يرحب. الشاب العراقي الذي اختار له اسماً رمزياً «يا خسارة»، بدأ، بعد السلام على المتواجدين في إحدى غرف المحادثات، بالقول:» ارجو من جميع المتواجدين في الـ «روم» أن يجيبوني على سؤال واحد فقط»، وانتظر قليلاً، وحينما لم يجد استجابة من المتواجدين ربما لانشغال كل واحد منهم في حديث ما، عاد بإصرار ليسأل، ولكن من دون أن يطالب أحداً بالإجابة هذه المرة: «كيف تستطيعون ممارسة حياتكم الطبيعية في لهو ولعب ومحادثات، ونحن العراقيين إخوانكم نرزح تحت الاحتلال، ونتعرض لألوان الذل والعذاب؟». يقول «يا خسارة» إنه يتحسر فعلاً على الحال التي وصلنا إليها نحن في البلدان العربية الأخرى من تفاهة وبلادة، وانشغالنا بأمور الحياة المادية، التي نتناولها من فتات موائد الغرب، عن قضايا بعضنا البعض، ويردف سائلاً في سخط: «ماذا حدث للإنسان فينا؟ وكيف أصبحنا على هذه الحال من الخذلان؟ وكيف نستطيع أن نمارس حياتنا الطبيعية وشاشات التلفزيون المختلفة لا تدع صغيرة ولا كبيرة من الممارسات الوحشية التي يتعرض لها الشعب العراقي إلا ونقلتها؟». رواد غرف الدردشة أصبحوا يجيدون تجاهل مثل هذه الأصوات، ويحتالون ويحاولون عدم فسح المجال أمام صوت يوقظ فيهم مشاعر دفنوها، ويكشف لهم عن «خذلانهم» الذي يعتقدونه في قرارة أنفسهم. وآخرون منهم ينسحبون من الحوار في صمت وحياء مغادرين الـ «روم» الذي بدأ جوه يتشبع بالجدية، فيما يبقى البعض الأكثر عنفاً ووقاحة ليجادل في أمور حسمها العراقيون وأصدروا أحكاماً فيها مسبقاً. شاب عراقي آخر أرسل رسالة قصيرة إلى إحدى القنوات الفضائية يتذمر فيها بسخرية عنيفة، قائلاً بلهجته العامية: «إخس عليكم يا عرب طايحين تعارف وغزل وحنا بالعراق نموت بالجملة»، في حين أرسل آخر رسالة ثانية يخاطب فيها مشجعي كرة القدم بالقول:» استمروا يا مجاهدي الكرة، استمروا في جهادكم الشريف ضد الفريق الآخر» موقعاً رسالته بالاسم المستعار «مجاهد بغداد». الحياة 13/8/2007 |