|
شباب غزة.. وضع لا يحسد عليه |
|
|
|
نصر جميل شعث
|
|
في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الشارع الفلسطيني، يبدو أنه ليس هناك من قدرةٍ أو مخرج، لدى الشباب، للنجاة من الغرق في تفاصيل الانقسامات الوطنية العميقة؛ سوى التعايش مع هذه المحنة بالمزحة والسخرية..
فمع اقتراب شهر رمضان المبارك، تنتشر في الشارع أسئلة ساخرة، ومصدرها الوحيد هو الشباب؛ حيث تشير إلى همومهم ومعاناتهم التي. وبعض هذه الأسئلة- التي وُظفّتْ في نصّ مسرحي عُرض، قبل شهر، على خشبة إحدى المسارح المحلية- يقول: ( في رمضان راح نصوم على آذان غزة وللا الضفة؟، أتزوج بغزة أم بالضفة؟، عقد قراني شرعي أم غير شرعي؟، لي راتب ولا مليش؟، أعطل السبت ولا الخميس؟، أنا مسلم وللا كافر ؟، أجدّد جواز سفري من سلطة غزة أو رام الله؟ ... ". أسئلة تلخص حالة الجو النفسي والألم المستمر الذي يستنزفّ مجتمعًا شابا في عمره. فبحسب التقديرات التي يأخذ بها علم الإجتماع، يقال أن المجتمع الفلسطيني أحد المجتمعات الفتية، حيث الشباب فيها هم القاعدة العريضة.. وعليها سرعان ما تظهر التحديات والمشاكل التي أولها : البطالة، بسبب إنعدام فرص العمل المفترض أن تتكفّل بتحقيق مستوى اقتصادي مناسب. وهو ما دعا الكثير من المحللين والمراقبين من الداخل ومن العرب والأوربيين للقول في التقارير والتوصيات المرفوعة لمنظمات تعنى بالوضع الاجتماعي في فلسطين: إن مشكلة مجتمع قاعدته الشبابية بهذا العرض لا يجب تفسير اندفاع أعداد كبيرة من شبابها دائما، لأولوية مقاومة الإحتلال الإسرئيلي والانخراط في صفوف العمل السياسي والحزبي والقتالي الميداني؛ ولكن يقف الوضع الاقتصادي كسبب مباشر يدفع بالشباب، على نحو مقلق وبالغ السوء، للمشاركة في العنف فضلا عن فقدان الطموح . فالمؤشرات الاقتصادية لا تغري ولا تفتح آفاق العيش التي تمكّنهم من رؤية الحياة بمنظور عملي مختلف. فبعد سقوط جماليات المقاومة، وتفشي نظرية المؤامرة بين الفلسطينين أنفسهم، الاعتقاد السائد أن إقدام الشباب على خيار الموت بذريعة مقاومة الاحتلال بالأسلحة والإمكانيات البدائية؛ إنما هو بمثابة انتحار وموت مجاني مدروس الدوافع، من عدة مستويات اجتماعية ونفسية، فأول الدوافع دائما هو انعدام الأمن الاقتصادي للشعب الفلسطيني، وبالتالي انسداد الطريق بوجه الحركة باتجاه المستقبل. حيث تتمترس التنظيمات الحزبية خلف مصالحها، ولاسيما التي ترفع الشعارات الإسلامية. وبذا تصبح هي حلقات استقطاب ونكوص للشباب والطلائع المآمورين بآداء مهام الموت على تخوم الأسيجة الأمنية الإسرائيلية، بحجة ضرب الأهداف المنيعة المحصنة بالتجهيزات الأرضية والمحروسة جوّا من الطائرات .. ومع كل سقوط لثلة منهم يُسمع صوت العقل وهو تسجّل الاحتجاج على هذا الانتحار، ويلوم على من يرمي بالشباب إلى الموت خدمة لأهداف ومصالح فئوية وشخصية لا أكثر ولا أقل؛ في ظل حالة من انعدام قدسية المقاومة، وشيوع نظرية الاستعراض لدى كل جماعة في الميدان. ليس هذا فقط، بل حتى مقاهي الإنترنت التي تعتبر نوافذ حميمة يسافر عبرها هذا الشاب أو ذلك منفصلا قليلا عن الواقع الذي يعود إليه مع أي انقطاع مفاجىء للكهرباء التي اعتاد الناس على غيابها وانتظارها ساعات حتى تعود. فهناك في أحد طوابق بناية في إحدى مدن قطاع غزة: "مركز لتعليم الكمبيوتر والانترنت".. يقوم بتنظيم دورات تصميم الصفحات الالكترونية، وتأهيل الشباب في مجال برامج الكمبيوتر المختلفة، يرتاده مئات بل آلاف الشباب على مدار اليوم. وقد تعرض منذ وقت ليس بالبعيد الكثير من المقاهي لاعتداء من جماعة مسلحة تسمي نفسها " جيش الإسلام" . فقامت بتحطيم محتويات المركز الذي يرتاده الشباب؛ بحجة أنه يشيع الرذيلة في أوساطهم، ويترك الحرية لتصفح المواقع الإباحية، ولا يقوم بحجبها. وهو ما نفاه، في حينه، مدير المركز رافضا تهمة أن تكون هناك سياسة إغراء تجارية من هذا القبيل لدى المركز لاجتذاب الزبون.. فكل ما في الأمر أن المراكز والمقاهي مفتوحة لتوفير خدمة الانترنت والتعليم، وأنّ على الجميع أن يتفهم واقع أن للشباب اهتمامات مختلفة ورغبة في التطور، وأن لديهم مشاكل ، في سجن غزة الكبير، تجعلهم لساعات طويلة ينفصلون عن معانانهم اليومية، بالاطلالة من نافذة الانترنت على عالم الأصدقاء والتعارف، والبحث عن فرص عمل، وسفر وزواج. وقد سجلت السنوات الأخيرة القليلة نسبة مرتفعة بشأن عزوف الشباب الفلسطيني في الوقت الحالي عن الزواج؛ بسبب عدم تمكنهم من تغطية تكاليفه توفير متطلباته، بسبب قلة فرص العمل المحلية، وارتفاع معدلات البطالة فضلا عن انعدام عامل السلامة والأمن الذاتي. ايلاف 11/9/2007 |