|
انطلقت أخيراً في المملكة العربية السعودية حملة لمكافحة المخدرات اللافت فيها أنها جاءت بمبادرة من مدمنين ومدمنات سابقين تعافوا من إدمانهم، وتصالحوا مع الحياة. وترك هؤلاء الباب مفتوحاً على مصراعيه للكشف عن عالمهم الخفي والسري أيام تعاطيهم، بدءاً من ذكريات أولى لحظات التعاطي، والأسباب التي جرتهم إلى ذلك، وما كان يدور في حياتهم من أشياء غير معلومة.
التقت «الحياة»، مدمنين متعافين، انضووا تحت لواء ما يسمى بـ «زمالة المدنين المجهولين»، المعروفة عالمياً، والتي نشأت في السعودية العام 1993. هدفهم أن يزرعوا في بستان حياتهم مبادئ التعافي من المخدرات والمسكرات، والاستمرار في الامتناع عن تعاطيها أياً كان نوعها، وكل ما من شأنه التغيير في الحالة المزاجية، إضافة إلى أنهم لا يكتفون بمعالجة أنفسهم، بل يمدون أطواق النجاة إلى الواقعين في مستنقع المخدرات. ولا يتردد المدمنون السعوديون المتعافون في «زمالة المدنين المجهولين»، الذين تتيح لهم الحكومة السعودية إقامة نشاطاتهم بحرية، في الاعتراف بأنـهم أناس في قبـضة مرض مستمر، نهايته دائماً هي نفسها، إما في السجون، أو المصحات، أو الموت. غير أنهم جربوا كل أنواع المساعدة للتخلص من المخدرات من خلال الطب، والدين، والعلاج النفسي، «لكن أياً من هذه الطرق لم يكن كافياً لمساعدتنا»، إذ أن مرضهم دائماً يطفو إلى السطح مـرة أخـرى أو يـستمر في التفاقـم حتى اليأس، وجاء الحل عبر «طلبنا المساعدة من بعضنا البعض في الزمالة، إذ أدركنا أننا أناس مرضى. إننا نعاني من مرض ليس له علاج معروف، لكن مع ذلك يمكن محاصرته عند نقطة ما فيصبح التعافي ممكناً». وسرعان ما انتشرت عضويات الزمالة المجانية في شكل ملحوظ في السعودية، لنجاحاتها الكبيرة، حتى وصل الأمر إلى إنشاء 11 مجموعة موزعة على المدن كافة، نجحت في شفاء أكثر من خمسة آلاف متعاطي مخدرات. وتعتبر «زمالة المدمنين المجهولين» جمعية غير حكومية، وتنأى بنفسها عن الدخول في أي أمور سياسية أو اقتصادية، ولا تهدف إلى الربح المادي، ولا تشترط على الراغبين في الانضمام إليها الإفصاح عن معلوماتهم الشخصية. ولأن كثيرين يجهلون أسباب الإدمان لدى البعض، ولا يحاولون التقرب منهم والتنبه الى بدايات الوقوع في فخ المخدرات، يحاول بعض المدمنين المتعافين في كل مرة أن يكون لصوتهم صدى في مجتمعهم. ويروي أحد الذين أدمنوا تعاطي حبوب «كبتاغون» لـ «الحياة»، بصوت كله حسرة وحزن: «المجتمع لم يرحمني أو يتعاطف معي. كان يقذفني بتهم كثيرة. أحياناً يصفونني بالحيوان». يكمل وعيناه تلمعان ببقايا الذكريات المؤلمة: «أنهم يجهلون أن هناك أسباباً خفية للتعاطي». ويكشف مدمن «كبتاغون» السابق، الذي قضى سبعة أعوام في تعاطيها، أن أهله في صغره كانوا يفرقون بينه وشقيقه، ويمنحون شقيقه الأولوية في كل شيء، على رغم أنه أكبر سناً، الأمر الذي ولد لديه خوفاً واهتزازاً كبيراً في ثقته بنفسه. ووقع ضحية رفاق السوء «الذين أوهموني بأن المخدرات سترفع ثقتي بنفسي وتبعد الخوف عني. لكن كل ذلك غير صحيح مطلقاً». وفي الزمالة، يقول أحد المشرفين لـ «الحياة»، أن هناك أسباباً خفية أوقعت كثرة من الشبان في وحل المخدرات، «منها الجنسي أو الاقتصادي، أو سوء معاملة، أو عنف جسدي». غير أنه ينبه إلى أن تلك الأسباب لا تعطي الفرد المبرر لكي يتعاطى المخدرات، ولكنه في الوقت نفسه يطالب المجتمع بأن يعمل بكل الوسائل على ألا يقع الشباب في تلك المشكلات التي يعتقدون أنها سهلة، لكنها ترمي الشاب في غياهب العالم القاتل. وفي السياق عينه، نزلت للمرة الأولى في السعودية، في العاصمة الرياض، أخيراً، آليات عسكرية، ودراجات «هارلي» النارية، يقودها شبان من دول مختلفة، يجوبون الشوارع بهدف التوعية بأضرار المخدرات، تحت شعار «شباب بلا مخدرات» ضمن إطار قافلة توعوية نظمتها جهات حكومية. ويقول المدمن السابق يوسف الصالح، الذي تعافى وأصبح يلقي محاضرات توعية عن إدمان المخدرات، إن هذه القافلة جاءت لتحذر المروجين وتقول لهم: «إننا نراقبكم. وسنحافظ على أبنائنا ونمنع أن يقعوا في شر أعمالكم». وأبدت الجماهير المصطفة على أرصفة الشوارع، التي كان حضور الأمهات والأطفال فيها لافتاً، تفاعلاً وانسجاماً مع التظاهرة التوعوية التي تعد الأولى من نوعها من حيث الفكرة والمضمون في السعودية، إذ احتوت الآليات المشاركة في القافلة على عبارات التوعية والإرشاد، وعرض لأنواع المخدرات عبر الصور المكبرة. وعرضت أيضاً، حالات الوفيات التي تسبب فيها إدمان المخدرات. وعرضت كذلك صور شهداء المواجهات الأمنية مع مهربي ومروجي المخدرات، وأسماءهم ورتبهم العسكرية. وشرح أحد أفراد دائرة المكافحة لمن كانوا في الشارع، طريقة التعرف الى المتعاطي، وطريقة العلاج، وأنواع المخدرات وأضرارها. ولكن الحملة لم تكن تتضمن إحصاءات تكشف أعداد مدمني المخدرات في السعودية حيث تؤكد الأرقام الرسمية إدمان 6 ملايين شخص للتدخين، بينهم 600 ألف امرأة، وأكثر من نصفهم شبان». الحياة 10/9/2007 |