|
منذ سنوات، يحلم فضل الشاب الفلسطيني المقيم في خان يونس في قطاع غزة، بدراسة الهندسة الوراثية في إحدى الدول الأوروبية، وهو ما تكفل به خاله المهاجر الى دبي إذا حصل على المعدل اللازم في الثانوية العامة. فضل، ووفق النتائج التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم في الحكومة المقالة في غزة، حصل على 92 في المئة في الفرع العلمي، ما يؤهله لدراسة التخصص الذي يريد، في أي دولة يريدها. لكن النتائج هذه السنة اختلفت عنها في السنة السابقة. فحركة «حماس» سيطرت عسكرياً على القطاع، وأعلنت نتائج الثانوية العامة، قبل أن تعلنها وزارة التربية والتعليم في الحكومة الفلسطينية في رام الله بأيام، وهي التي لم تعترف بنتائج غزة، واتهمت حركة حماس بتزويرها والتلاعب فيها، وأكدت أنها غير قانونية، ولن تتعاطى معها أي دولة في العالم، ما لم تحمل توقيع الوزيرة، د. لميس العلمي، التي سحبت التفويض من وكيل الوزارة «الحمساوي»، إثر أحداث غزة.
فضل، الذي تكسرت أحلامه على عتبة الاقتتال الداخلي، والتناحر السياسي بين حركتي فتح وحماس، أو رام الله وغزة، كما يقال، يشعر اليوم بإحباط شديد. «كنت أحلم بالدراسة في الخارج، ليس فقط لأن التخصص الذي أريده غير متوافر في جامعات غزة، بل لرغبتي في التعرف الى ثقافات جديدة، واكتساب خبرة حياتية لا تتحقق إلا في الغربة، علاوة على اكتساب لغة جديدة في حال كانت الدراسة في دولة ناطقة بالإنكليزية، أو الفرنسية، أو غيرهما، لكن حكاية نتائج غزة، غير المعترف بها في رام الله والعالم، مطب لم يكن في الحسبان أبداً». ويضيف فضل: «يتحدثون عن حل لهذه المسألة، كي لا يدفع الطلاب ثمن ما قامت به حماس في غزة، لكن حتى لو تم الاعتراف بنتائج الثانوية العامة التي أعلنتها حكومة حماس المقالة، لا أحد يتمكن من الخروج من القطاع، بعد أن أحكمت إسرائيل الحصار عليه، وباتت مغادرته شبه مستحيلة، لا سيما مع إغلاق معبر رفح، منذ سيطرة حماس على القطاع. سأبحث عن تخصص يعجبني في أي جامعة في غزة. لا خيارات لديّ الآن، غير ذلك». وليس فضل وحده من يعيش هذه الحالة، وبحسب مصادر في إدارة المعابر الفلسطينية، لم يتمكن أي طالب من خريجي الثانوية العامة الجدد من مغادرة القطاع، بسبب التطورات الحاصلة على الأرض، وإحكام إغلاق المعابر من وإلى القطاع، وبالتالي ليس أمام الطلبة سوى التسجيل في الجامعات المحلية. رندة، نسيبة فضل المقيمة في رام الله، غادرت فعلاً متوجهة إلى باريس، لدراسة السينما، فلا مشكلة لديها في شهادتها المذيلة بتوقيع الوزيرة، ولا في مغادرة الضفة الغربية، عبر معبر الكرامة، الذي لم يغلق أبوابه، بسبب المستجدات السياسية. يقول فضل: «كان بيننا تنافس شديد، وتحد في من سيحصل على العلامة الأعلى في الثانوية العامة، بخاصة أنها السنة الأولى التي نقدم فيها الامتحانات وفق المنهج الفلسطيني، وفي شكل موحد، إلا أن خوضنا العديد من الاختبارات في ظل أحداث العنف، والرصاص الفلسطيني المتبادل، ومن ثم إعلان النتائج في غزة، بصورة منفصلة في الضفة، نغص فرحتنا، وأتاح لرندة التي لم يتعد معدلها 85 في المئة فرصة للمراوغة، وعدم الاعتراف بالهزيمة، متذرعة بأن النتائج غير دقيقة في قطاع غزة. بالطبع كانت تمازحني. هي اليوم على أعتاب تحقيق حلمها بدراسة السينما في دولة أجنبية، أما أنا فعليّ أن أبقى أسير القطاع، الذي يعاني ظروفاً صعبة ومعقدة للغاية». ما حدث هذه السنة، كان استثنائياً في جميع المقاييس، لا سيما في ما يتعلق بنتائج الثانوية العامة، التي أعلنت على مرحلتين، في حين لم تعترف رام الله، ومن حولها العالم، بنتائج وزارة التربية والتعليم في حكومة حماس المقالة، بالتالي بنـتائج غزة، ما جعل طلاب الثانوية العامة ضحايا جدد للتناحر السياسي والعسكري بين «الأخوة الأعداء»، كما شرائح أخرى، كالحجاج، الذين خضعوا هم الآخرون للمزاج السياسي في شطري الأراضي التي كانت يوماً تحت سيطرة سلطة وطنية فلسطينية واحدة، وباتت تحت سيطرة حكومتين، لا تعترف أي منهما بالأخرى، في معادلة هي الأغرب في العالم: «حكومتان بلا دولة»! الحياة 17/9/2007 |