|
لم يتمكن من الهجرة فآثر الانتحار.. ماذا فعلنا بشبابنا؟ |
|
|
|
رهادة عبدوش
|
فوجئت تلك القرية السورية الصغيرة بخبر موت أحد أبنائها، لكن المفاجأة الأكبر كانت طريقة الموت فقد مات منتحرا. انه من أحد شبانها المشهود لهم بالخلق الحسن والسمعة الطيبة، وما خبر انتحاره إلا مفاجأة لا تقف عند حدود الحزن والألم بل هو خوف امتد ليشمل جميع أهل القرية ليسيطر عليهم ويزيد قلقهم وألمهم، فالسبب الذي قتل نفسه لأجله هو بالحقيقة هاجس قد يقدم أحد آخر على الفعل نفسه، لكن ما هو ذلك الهاجس الذي يجعل من شاب قاتل لنفسه وقادر على إعطاء قرار النهاية لحياته وشبابه، فشنق نفسه تاركا من حوله في كابوس لن ينتهي؟.
فبعد أن تم التحقيق بالقضية وصلوا إلى لب المشكلة انه الحلم الأزلي لأبناء هذه القرية وقرى أخرى كثيرة إنها الهجرة إلى دولة أجنبية المكان الوحيد الذي سيستطيع شاب مثله أن يجد فرصة للعمل والعلم والحياة الجديدة المختلفة والتي ستساعده وتساعد أهله لتنشلهم من الفقر والعوز. بمزحة قال لأخوته :هذه المرة إن لم تأت لي الموافقة على الهجرة سأنتحر. منهم من ضحك ومنهم من لم ينتبه لكن أحدا لم يدرك أنه قرر ذلك فالهجرة كانت خلاصه الوحيد، تعلم وتخرج ومازال منذ عشر سنوات يبحث عن عمل مستقر نوعا ما ولم يعثر عليه أصبح في عمر يريد فيه أن يستقر مع شريكة له ولم يستطيع فمن أين يأت بالبيت؟ من أين سيستطيع أن يصرف عليه؟ حاول العمل بمشاريع عديدة لكنها لم تنجح، ليس بكسل منه لكن دائما الأمور بيد فلان وربطها وحلها عند فلان وهكذا لم يجد إلا حل الهجرة كنافذة واحدة للخلاص والتي منها انطلق معظم أبناء قريته بشكل شرعي وغير شرعي، وحاول أيضا بالطرق كلها أن يتبعهم إلى الحياة الجديدة لكن لم تنجح محاولاته وبيأس لم يتوقعوه لما يحمله من روح حلوة لف حبلا على عنقه وشنقن نفسه بعد أن كتب رسالة يعتذر بها من أحبابه فالموت السبيل الوحيد لإنهاء مشاكله مع عراك الحياة. إنها قصة حقيقية تضعنا أمام تساؤلات كثيرة أولها ماذا فعلنا بشبابنا حتى جررناهم إلى الخيار مابين الموت أو الهجرة؟ ليصبح الوطن مكان ضيق على أبنائه فلا يطعمهم ولا يأويهم ولا يعطيهم ذلك الشعور بالأمان والاستقرار الذي طالما حلم به الإنسان منذ وجوده على الأرض. تضعنا تلك الحالات أمام تساؤلات: كيف نضمن لشبابنا وشاباتنا الحياة الكريمة التي تبعدهم عن التفكير بالهجرة؟! أين هو التقصير؟ ومتى ستبدأ الحكومة جديا بتداول هذا الموضوع بعيدا عن الاستراتيجيات والخطط والاستبيانات التي كثرت حتى فرغت من محتواها لتصبح حججا للتطويل دون حلول حقيقية؟! وهل وضع الخطط وتنفيذها بهذه الدرجة من التعقيد حتى نفذت طرق الحل؟! فأين إذا هؤلاء الخبراء الذين تصرف عليهم الأموال الطائلة؟! وماذا يفعل خبراؤنا الذين يسافرون من دولة لأخرى ليكتسبوا الخبرات بينما في الحقيقة يستمتعون بالطقس الجميل والرفاهية؟! أين هي المحاسبة لكل أولئك عندما يموت شاب لأنه لم يجد في بلده أحدا منهم يمد له سبلا للعيش؟! فالقرى والمدن الصغرى والمنسية فيها أيضا أبناؤنا وفيها شبابنا الذين نصفق لهم فقط عندما ينجحون ويكسبون الجوائز بل نشمر عن ساعدينا لنقول بفخر هؤلاء من بلدنا هؤلاء من زرعنا؟ متجاهلين الذين هم يحتاجون فقط نظرة مخلصة تؤكد لهم أنهم أبناؤنا. أخيرا الشباب في سورية تحت سن الثلاثين يشكلون أكثر من 60% من عدد السكان في سورية أي إنها نسبة لا يستهان بها. لذلك إن كان ضمن حسابات الحكومة بناء مجتمع صحي ومتطور يجب أولا الاعتراف بالمشكلة، البطالة وقلة فرص العمل والتعليم، وبالتالي الهجرة القانونية و الغير قانونية هذه التي تتم بسرية وبمبالغ باهظة رغم الغموض والنهاية الغير آمنه التي تودي أحيانا بحياة أصحابها. إذا أرادت الحكومة حل هذه المشكلة يجب البدء بأسرع ما يمكن لأن الأمر قد يتعدى الحالات الفردية ليصبح ظاهرة لن يقف المجتمع صامتا طويلا أمامها.
موقع نساء سورية 2007-09-27 |