|
الخدمة والتطوع نشاط عاطفي أم زيف اجتماعي ! |
|
|
|
باسنت موسى
|
|
Sunday, 18 November 2007 |
|
هناك نوعان من الناس في الدنيا نوع يدخل إلى الحجرة فيقول هأنذا هنا، ونوع أخر يدخل فيقول هأنتذا هنا فكم هى مختلفة هذه الإستهلالة، إذ يقصد النوع الأول بالقول التفت إلى أني احتاج انتباهك بينما يقصد النوع الأخر احك لي عن نفسك ، يقول النوع الأول إنني أنا المهم بينما يقول الأخر أنك أنت المهم ، يقول النوع الأول إن الدنيا تتمركز حولي بينما يقول الأخر إنني هنا من أجل أن أخدمك..أعزائي الشباب أليس رائعاً أن تكونوا من النوع الثاني الذي يمنح خدماته للآخرين عن طيب خاطر وطواعية وبذلك يصبح لحياتكم معنى " العبارات السابقة هى مكونات افتتاحية برنامج تليفزيوني مهتم بالشباب كشريحة عمرية واسعة في أي مجتمع وربما لا تحمل تلك المقدمة أي كلمات تثير الضحك، كما أن مذيع البرنامج لم يطلق مفردات افتتاحيته بشكل هزلي بل على العكس تماماً،لكن موجه الضحك العارمة والسخرية التي أستقبل بها البعض من أبناء أقاربي الشباب المشاهدين للبرنامج تلك العبارات التي تؤكد على أهمية العمل التطوعي والخدمي جعلتني أتساءل عن مدى إدراك الشباب لمعاني كالخدمة والتطوع ؟وماهو تقييمهم لدعوات التطوع في مجال الخدمات الإنسانية والوطنية ؟ وللإجابة عن تلك التساؤلات وأكثر منها تجولنا بين عدد من الشباب .
جيهان(19 سنة) طالبة جامعية تقول: ممارسة الأنشطة الاجتماعية بأسلوب الخدمة والتطوع يساعد الفرد في أن يخرج من التركيز علي ذاته إلي التركيز علي مشاكل وهموم الآخرين مما يخفف من حدة ضغوط مشاكله الخاصة,ولكن المشكلة الرئيسية التي تعوق مشاركتي في مثل هذه الأنشطة هو أن الجمعيات المعنية بتلك الخدمات لا تعلن عن نفسها بشكل كاف كما أن الوقت لا يسعفني لتحقيق المشاركة الفعالة، وإن كان عامل الوقت ما يعوق جيهان عن المشاركة في الأنشطة الخدمية فإن الأمر ليس كذلك مع رأفت ( 20 )سنة الذي يرى أن الخدمات التطوعية لا تجلب من الاشتراك بها أي عائد مادي وبالتالي لا فائدة من القيام بها ومن الأهم أن يبحث الشباب عن الأعمال التي تدر المال الوفير لبناء المستقبل وتحقيق الأحلام التي تتمثل فقط برأيه في شراء شقة للزواج، وبذلك يتركون الأنشطة والخدمات التطوعية لأبناء الأغنياء الذين يشغلون أوقات فراغهم بالاشتراك في أنشطة يظهروا من خلالها على شاشات التليفزيون ويحققوا دعاية لأنفسهم على حساب المحتاجين ويذكر رأفت في هذا الإطار أنه شاهد برنامج تليفزيوني أستضاف مجموعة من شباب إحدى الجامعات الخاصة المشتركين في برنامج تطوعي لرعاية أطفال الشوارع وأثار حفيظته قول أحد الشباب " أنظروا لقد أنقذنا أطفال الشوارع من الضياع" . أكثر ما يميز العطاء أو الخدمات التطوعية أنها بلا مقابل وإلا أصبحت نوعا من أنواع تبادل المنفعة عبارة بدأ بها وهيب( 23)سنة حديثه معنا وقد بدت على ملامحه جدية وإيمان حقيقي بما يقول خاصة وأنه مشترك في خدمة تعنى بتقديم الرعاية النفسية لمرضي الأورام غير الحميدة وتلك الخدمة على الرغم من قسوة وضع الأفراد المخدومين بها إلا أن وهيب استفاد من الاشتراك بها حيث تعلم كيف يواجه المريض الصبر علي الآلام وتحملها بشكر وعدم التمرد علي إرادة الله وغير ذلك من معان ساعدت في بناء شخصيته وترتيب حياته بشكل أفضل كما يقول حيث أصبح يسعى دائماً أن يجد وقت لرسم بسمة على الوجوه العابسة بفعل الزمن والأيام كما اعتاد تخصيص وقت للمذاكرة وهذا ما كان يفتقده قبل المشاركة بنشاطه الخدمي حيث كانت حياته تسير بشكل عشوائي لا قيمة فيها للوقت، ماريان(24)سنة تتفق مع وهيب في كثير من معالم رؤيته عن الخدمة والتطوع حيث ترى أنه بداخل كل فرد قدرة يتميز فيها علي من حوله ومن الممكن أن يستثمر هذه القدرة في خدمة الآخرين لذلك استغلت قدرتها في الاستماع للآخرين دون ملل في الاشتراك بمجال خدمة المسنين حيث أنهم يحتاجون لفرد يسمعهم وتلك الخدمة أفادتها مرتين مرة في كونها استغلت من خلالها قدراتها الكبيرة والثانية أنها أصبحت من خلال علاقاتها بهؤلاء المسنين تحمل بداخل عقلها خبرات سنين أفادتها كثيراً في جعل اختياراتها الحياتية أكثر نضوجاً. العمل التطوعي أنواع كثيرة تتضمن ما نقدمه لخدمة أفراد من خلال مؤسسات اجتماعية تنموية أو ما نقوم به لخدمة أهداف قومية تتعلق بأوطاننا كأن يشارك مجموعة من الشباب في تنظيف حي سكني ما أو المساهمة في الترويج لأفكار حملة توعية لساكني المناطق الفقيرة وما إلى ذلك من خدمات، لكن هل يساوى الشباب بين تلك الأنواع للأنشطة الخدمية أم يقبل متحفظاً على البعض منها ويرفض الأخر. ماجد (25 )سنة يغنى بشكل ساخر فور توجهنا له بالأسئلة وطلب المشاركة قائلاً : هل ترغبون أن أقول لكي أغنية وطنية تطالبني بحب وطني والفناء في هذا الحب دون مقابل !! ثم أكمل حديثه لنا موضحاً أنه لا يشعر بأن وطنه أعطاه أي إيجابيات ليدعم هذا الوطن بالمشاركة في أنشطة خدمية كبيرة، ويتساءل لماذا لا يسعى وطني لتحسين وضعي كشاب أعمل ما يزيد عن الأثنى عشر ساعة يومياً لأتقاضى راتب ليس بكبير يساعدني بصعوبة في أن اعتمد على ذاتي في مصروفاتي الشخصية! أليس قبل أن يطالبني الوطن ببناءه أن يساعدني أولاً على بناء ذاتي وهل يمكن لمجتمع أفراده من المهدمين أن يساهموا في بناءه كيف هذا فاقد الشيء لا يعطيه،الصورة تبدو قاتمة المعالم بنظر ماجد ولتعديل ألوانها يحتاج أن يلمس الحب والاهتمام أولاً من وطنه لكن سارة (22) ترى أن الوطن كلمة كبيرة لا تستوعبها هى ومن في مثل حالها الاقتصادي حيث يلهثون طوال حياتهم في البحث عن المال لتسديد احتياجاتهم الأساسية لذلك هى لا تفهم قيمة المشاركة التطوعية بأنشطة خدمية قومية لكنها تشارك على الرغم من سوء وضعها الاقتصادي في نشاط تطوعي لمساعدة بعض الفتيات الصغار المتسربات من التعليم في نطاق سكنها. التقينا بالأستاذ الدكتور: فيكتور سامي أستاذ الطب النفسي وعضو الجمعية الأمريكية في ذات التخصص فأجابا علي تساؤلاتنا قائلا:لو تأملنا في الطبيعة من حولنا لوجدنا إنها تقوم علي عمل جماعي متكامل فكل شيء يتحرك ليخدم الآخر ويستمتع الإنسان بكل هذه الخدمات ويأتي دوره ليقدم خدماته لبني جنسه من البشر فالخدمة هي أسمي وظيفة يقوم بها الكائن الحي ولكنها ليست مجرد تأدية أعمال مفيدة للآخرين بل هي روح الحب والعطاء وذلك ما يميزها عن خدمة العبيد أو الأجراء فالعبد لا يقدم الخدمة إلا إذا ضرب والأجير لا يقدمها إلا إذا أخذ الأجر ولكن الخادم الحر هو الذي يخدم الآخرين طواعية بحب.ونؤكد الكثير من البحوث التي أجريت في مجال الخدمة والعمل التطوعي إلي أن ممارسة الأنشطة الاجتماعية الإيجابية كالخدمة والتطوع تساعد الإنسان علي إحداث توازن داخلي له فالخدمة في المجتمع تعني أن الشخص يقتحم مشكلات الآخرين وكلما تعمق في هذه المشكلات كلما شعر بالرضا الذاتي وأهمية وجوده في الحياة مما يؤثر علي صحته النفسية بشكل إيجابي ولكي تتحلي بروح الخدمة المحبة عليك أن تضع مجموعة من الاعتبارات أمام عينيك. أولها: أسع لمعرفة احتياجات الآخرين وتوجه لمساعدتهم والاهتمام بمطالبهم أي ضع الآخرين في مقدمة اهتماماتك. ثانيا: ثق أن لديك القدرة لتخدم مهما بلغت من مناصب أو درجات علمية فسيد القوم خادمهم، أن الخدمة والتطوع ينبغي أن تكون جزءا من حياتنا بحيث لا تكون قاصرة علي أوقات الكوارث فالشخص المحب هو الذي ينتظر الفرصة ليخدم دون مقابل. ثالثا:تعلم أن تحب وتواصل مع الآخرين فعندما نحب سنضحي من أجل الآخرين وأقصد هنا بالتضحية البذل المستمر لإسعاد الآخرين من حولنا ولا أجد أفضل من مقولة اينشتاين لأختم بها حديثي مع الشباب موقف البشر علي الأرض يدعو إلي الدهشة فكل منا جاء إليها في زيارة عابرة وهو لا يعلم السبب الذي يبدو في كثير من الأحيان سببا إلهيا.أما إذا نظرنا إلي حياتنا من وجهة نظر الحياة اليومية فإن الشيء الوحيد الذي نعلمه هو أن الإنسان وجد علي هذه الأرض من أجل غيره من البشر. الكاتبة الصحفية شاهندة مقلد تقول : لا يمكنني إدانة الشباب الذي لا يحبذ أن يشارك في أنشطة خدمية تنموية أو التي تتعلق بتحقيق أهداف قومية كبيرة، وذلك لأن الشباب يشعر بأنه فئة لا يهتم بها أحد وهم حقاً كذلك حيث يتركهم المجتمع بمؤسساته المختلفة للانسحاق أسفل تروس التردي الاقتصادي الكبير وهم تحت وطأة ظروف حياتهم الصعبة ينسون أن هناك أخر يحتاج مساعدتهم ربما لأنه يعيش وضع أسوأ منهم كما يفتقدون للتفكير في معاني كالوطن والانتماء ويعيشون من أجل تحقيق أهدافهم الخاصة جداً بالحياة وبذلك ينغلقون على ذواتهم وعندما يفشلون في تحقيق أهدافهم تلك أو بعضها قد ينجرفون تحت أي تيار يحقق لهم أهدافهم حتى لو على حساب أقرب الأفراد في حياتهم أو حتى على حساب وطنهم وصالحه وحتى لاندفع بالشباب لهذا المنحى الخطير لابد أن يبتعد الإعلام عن الترويج للأغنيات الوطنية التي تشعر الشباب بأن حبهم لوطنهم ينبغي أن يكون بلا مقابل بل يقدم لهم نماذج واقعية وسوية للانتماء والعطاء. وتكمل مقلد حديثها لنا موضحة أن الوطن وخدمته لا تؤكده الأعمال التطوعية فقط وإنما بالمشاركة الإيجابية ورفض أي وضع خاطيء لا يتناسب مع قيم العدل والحق فالوطن هو عالمنا ومفرداته البسيطة وعندما نُحّسن من تلك المفردات نُحّسن وطننا للأفضل حتى لو لم نشترك بمشروعات كبيرة.
ايلاف |