|
وقف ناصر في لحظة انكسار عابرة «ولكني لا أعرف ملء هذا الطلب» فهو بالإنكليزية، كما كل شيء هنا، في هذا المعرض. لكن المسؤولة في الجناح تبادر مخففة عنه بلطف: «يمكنني ملء البيانات نيابة عنك أو يمكنك ملء النسخة العربية»، مخرجة أوراقاً كانت مهملة في أحد الملفات. فهناك مكان لكل شخص، شرط أن يكون مواطناً. ذلك ان الشركة مولجة بتشغيل مؤسسات مرتبطة بالأمن القومي، وتســــعى إلى التوطين الكامل للعاملين فيها، أي تشـــغيل الإماراتيين الذين يشكلون 20 في المئة من المجموع العام للسكان، وذلك نظراً لحساسية الشركات التي تشغلها، مثل المطارات والحدود.
وعلى رغم أن ناصر لا يحمل سوى شهادة الثانوية العامة ولا يعرف جيداً اللغة الاجنبية الوحيدة التي تعلمها أي الإنكليزية، والتي تكاد تكون لغة البلاد الرسمية الحقيقية، فإنه يملك حظاً كبيراً في الحصول على وظيفة. فكما قالت له المسؤولة في الجناح، «يمكنه أن يعمل حتى على مراقبة الشاشات»، وهي مهنة لا تتطلب شهادات. وإن حظي ناصر بهذه الفرصة فماذا عن الجامعيين واصحاب الدراسات العليا؟ هنا في معرض «نجاح» التعليمي في دورته الأولى في أبو ظبي في الإمارات، كل شيء مرتب لخـــدمة فكرة أســــاسية: الوصول إلى أعلى نــسبة توطين للوظائف في البلاد. راعيا المعرض هما مجلس أبو ظبي للتعليم ومجلس أبو ظبي للتوطين، وقد بدأ هذا الأخير سياسة توطين كبيرة، ومهمته الأصعب هي في المؤسسات الخاصة، التي تبتغي الربح بالطبع. أما المؤسسات الحكومية أو شبه الحكومية، فتلك تسير بسرعة كبيرة نحو التوطين، مما يجعل من الإماراتيين الجامعيين فئة «ثمينة». شركة «أدنوك» (شركة بترول أبو ظبي الوطنية) مثلاً، أقامت وسط المعرض جناحاً أنيقاً كبيراً، أرادت فيه «اصطياد» الإماراتيين المتخرجين وخاصة من فئة المهندسين، مع أنها على اتصال مباشر مع الكليات المحلية، وتستوعب كل خريجيها في مجال الهندسة من المواطنين، فهي توظف سنوياً بين الثمانمائة والألف عامل جديد. وقد تمكنت لغاية اليوم من تحقيق نسبة توطين تصل لحد 50 في المئة وتعمل لجعلها 75 في المئة في نهاية العام المقبل، كما يقول محمد الرميثي، رئيس قسم توظيف المواطنين فيها. هنا وفي ظرف عشرين دقيقة فقط، يمكن للخريج الجامعي أن يصبح موظفاً في الشركة، إذ يقدم بياناته الجامعية كاملة، عبر نظام موصول مباشرة بلجنة التوظيف في الشركة التي تعلمه فوراً بالنتيجة. الشروط ليست عالية جداً: التخرج بمعدل معين، وحمل الشهادات اللازمة. وتقوم الشركة بالباقي، توظف وتدرب، بمعايير عالية جداً... إذ ان الرواتب في «أدنوك» هي من أعلى الرواتب في الدولة. إذن ليس على الإماراتي (او الإماراتية) إلا أن يحسن اختيار مجال الدراسة الصحيح، ليكون من أكثر المحظوظين. ويشار الى ان في إمكان الإماراتيين التعلم مجاناً داخل الدولة، أو حتى الحصول على منح دراسية في الخارج، وشرط كل ذلك فقط تحصيل معدل علامات معين. فالدولة تصرف في شكل هائل على التعليم إذ وصلت موازنته الحكومية في امارة ابو ظبي إلى 37 في المئة من الميزانية العامة العام 2006، وبلغ أكثر من بليون ونصف بليون درهم في أبو ظبي وحدها. واستقدمت الجامعات كفاءات تعليمية كثيرة إلى الإمارات، محققة تطويراً كبيراً حقيقياً. وصار طلاب الجامعات على مستويات تعليمية عالية جداً. ويمكن التقاط ذلك في صورة واضحة في الكليات التقنية، ولا سيما بين الفتيات. وتكشف المؤتمرات التي تنظمها مثلاً جامعة زايد، والتي تتولاها طالبات هذه الجامعة، تطوراً ملحوظاً لجيل جديد من الطالبات الإماراتيات اللواتي يتقن اللغة الإنكليزية، ويتمتعن بحضور مميز. وتتجه المدارس الحكومية إلى تحسين كبير في مستويات اللغة الأجنبية فيها. لذا فإن البلاد تدفع الكثير لتخرج أجيالا جديدة، يمكنها ان تستلم الوظائف في البلاد، كل الوظائف. ولكن هنا تصطدم بمشكلة، وهي عدم قبول الإماراتيين بالوظائف العادية، مثل مراقبة الشاشات مثلا، كما الحال مع ناصر. فناصر لم يعمل على مدى عامين بعد الثانوية، لأنه ولظروف خاصة بمدارس منطقته لم يتعلم جيداً الإنكليزية، ولم يكمل اختصاصه، في حين أنه ينتظر من الدولة أن تؤمن له وظيفة جيدة، وبمرتب عال. هنا تكمن مشكلة التوطين الحقيقية في الإمارات. ففي وسط معرض «نجاح» يقوم جناح كبير لهيئة أبو ظبي للتوطين، نصف الجناح مخصص للضيوف، والنصف الآخر لطاولات وأجهزة كومبيوتر للشركة الخاصة التي يتعاقد معها المجلس، والتي تتولى إجراء التقويم النفسي للمتقدمين بطلبات العمل، أو لمن شاء، وهو تقويم مجاني للمواطنين المسجلين في المجلس. أما بالنسبة للوافدين (غير الإماراتيين) فجلسة التقويم التي تدوم نحو الساعتين، تكلفهم نحو مئتين وخمسين دولاراً. وتكشف الجلسات لطالب العمل من خلال تقويم نفسي عملي، مكامن قوته وموهبته في العمل، فتحدد له المجال الأفضل لتوظيفه. وهي شركة في المناسبة يعمل فيها وافدون لا مواطنون. وكما يقول أحد العاملين فيها، تتعاقد الشركة مع الكثير من المؤسسات الرسمية التي تنظم تقويماً نفسياً لموظفيها، والتي تسعى إلى مهنية أكبر وإعادة توزيع أفضل للموظفين فيها. ولكن المعرض المسمى «نجاح» لا يضم بالطبع فقط مؤسسات، تحاول اصطياد الخريجين ووعد الطلاب الثانويين والجامعيين، بوظائف جيدة. وهناك مؤسسات تعليمية تفعل ذلك، فهنا، عند مدخل المعرض، يقع نظر الداخل اولاً على مجسم كبير لقبة جامعة الـــسوربون الفرنسية الشهيرة، يجاوره جناح لكلية «انـــسياد» التي افتتحت قبل شهرين فقط في أبو ظبي، وهي من الكليات العالمية للبحوث... ويقع جناح خلفه معهد أبو ظبي للتدريب المهني الذي أفتتح أيضاً هذا العام... وهي مؤسسات تقوم كلها بالتعاون مع مؤسسات عالمية، بهدف تخريج طلاب يحملون شهادات بمستويات «عالمية»، وكأنها شهادات بـ «ماركات» عالمية. فأبو ظبي، ومن خلال «مجلس أبو ظبي للتعليم» تحاول أن تقدم نفسها كمركز ثقافي في المنطقة، ولذا كان إنشاء فرع جامعة السوربون فيها العام الماضي، والذي سيتبعه إنشاء جامعة نيويورك المتوقع في نهاية 2009، كما قال المدير العام للمجلس مبارك سعيد الشامسي. يكفي إذاً المواطن بعض الجهد الدراسي ليحصل على أفضل فرص العمل من دون بحث ولا انتظار. هذا ما أثبته على الأقل معرض واحد تربوي في أبو ظبي. الحياة 12/11/2007 |