|
يبلغ عدد خريجي الجامعات في مصر سنوياً ما لا يقل عن 232 ألفاً، وتعلم غالبيتهم أن العمل الحكومي في حالة تقلص دائم، عدا أنّه عديم الفائدة مادياً. كما أن منظومة الوساطة (المعروفة محلياً باسم الكوسة) والضاربة في جذور ثقافة التوظيف في العديد من القطاعات الحيوية وغير الحيوية، تظل مقتصرة على الأقلية حتى لو أتيحت لعشرة بين كل ألف خريج.
وإذا كانت سياسة الحكومة المصرية الجديدة اتسمت بقدر من الشفافية، فهي أثارت أيضاً بهذه الشفافية العديد من المخاوف الخاصة بالمستقبل المجهول لعمل الشباب. فالرئيس مبارك في حملته الانتخابية في العام الماضي داعب آمال الملايين من العاطلين ومن يوشكون على دخول مجال البطالة الواسع، إذ اعتبر أن «تحدي إيجاد فرص عمل جديدة كان ولا يزال أهم تحد واجهه عبر السنوات الماضية». وقال إنه سيظل كذلك اذا ما حصل على ثقة الشعب لشرف القيادة خلال المرحلة المقبلة. ووصف الرئيس المصري برنامجه بأنه «طموح ومحسوب ومدروس تتحقق من خلاله أهدافنا في التشغيل وخلق فرص للعمل». وإذا كانت سياسة الحكومة المصرية الجديدة اتسمت بقدر من الشفافية، فهي أثارت أيضاً بهذه الشفافية العديد من المخاوف الخاصة بالمستقبل المجهول لعمل الشباب. فالرئيس مبارك في حملته الانتخابية في العام الماضي داعب آمال الملايين من العاطلين ومن يوشكون على دخول مجال البطالة الواسع، إذ اعتبر أن «تحدي إيجاد فرص عمل جديدة كان ولا يزال أهم تحد واجهه عبر السنوات الماضية». وقال إنه سيظل كذلك اذا ما حصل على ثقة الشعب لشرف القيادة خلال المرحلة المقبلة. ووصف الرئيس المصري برنامجه بأنه «طموح ومحسوب ومدروس تتحقق من خلاله أهدافنا في التشغيل وخلق فرص للعمل». ومع تأسيس المجلس القومي للشباب، ارتفعت الأماني مجدداً إذ ربما تكون آمال نحو مليون عاطل (تقدير حكومي ويتضاعف في التقديرات الأخرى غير الرسمية) قد أوشكت على التحقّق. وخرجت الأخبار الأولى عن المجلس لتصب في منحى آخر غير ذلك الذي كان الشباب، لا سيما العاطلون، يأملونه. فقبل أيام، استقبل الرئيس مبارك الدكتور صفي الدين خربوش رئيس المجلس الجديد، وخرج خربوش ليصرح بأنه «عرض على الرئيس خطة المجلس في المرحلة المقبلة في إطار المتابعة المستمرة من جانب الرئيس لقضايا الشباب والعمل الوطني. وأكد أن الرئيس مبارك مهتم بقضية ايجاد فرص عمل للشباب وإتاحة ورفع مستوى المهارات». وهو كلام جميل وكلام معقول، لكن لدى الشباب مخزوناً إضافياً منه وهم يحتاجون الى نوعية أخرى من الكلام يكون قابلاً للتحول الفعلي إلى عمل ووظائف حقيقية. تصريحات وردية مع انشغال الحكومة المزمن بالتصريحات الوردية، استمرت أعداد متزايدة من الشباب في النهج الواقعي الذي انتهجه في الآونة الأخيرة من باب الرغبة في البقاء. صحيح أن الغالبية العظمى من اختيارات أو بالأحرى إمكانات النهج الجديد تندرج تحت بند الاقتصاد غير الرسمي، لكنها تكاد تكون الخيارات الوحيدة المتاحة بديلاً من الدخول في مرحلة الشيخوخة أثناء الجلوس في المقهى في انتظار الفرج. أول هذه البدائل وظيفة حارس الأمن أو موظف الأمن التي أصبحت مهنة من لا مهنة له. ومع تكاثر عدد الشركات الصغيرة الخاصة العاملة في هذا المجال، زاد عدد موظفي الأمن الذين لا يمتون للأمن بصلة من قريب أو من بعيد. يوقع الشاب على بضع أوراق خاصة بأمانته والتعهد بالحفاظ على الأشخاص والمنشآت التي يفترض أنه يحرسها. ويتسلم الوظيفة التي تكون بالطبع بلا أية ضمانات له، سواء في حال حدوث إصابة أو إعاقة أو حتى وفاة. وعدد ساعات العمل 12 ساعة متواصلة. تامر (28 عاماً) حاصل على إجازة في التجارة منذ أكثر من خمسة أعوام. على رغم ذلك، فإن وظيفة ضابط الأمن التي تسلمها قبل شهر هي الوظيفة الأولى له بعد عناء بحث وانتظار ووساطات باء جميعها بالفشل. تامر يعمل في حراسة مبنى سكني في منطقة راقية في القاهرة. يبدأ عمله في الثامنة ليلاً وينتهي في الثامنة صباحاً وهو يعترف أنه يتأكد من أن سكان العمارة جميعاً قد عادوا إلى بيوتهم ثم يستسلم للنوم العميق في ركن منزو حتى السابعة صباحاً ليجده الجميع جالساً على أريكته في مدخل العمارة كأن شيئاً لم يكن. ولا يشعر تامر بتأنيب ضمير أو ما شابه حين يستسلم للنوم في الوقت الذي كان يجب أن يكون ساهراً فيه على أمن العمارة وسكانها، بل العكس هو الصحيح. يقول: «ولماذا لا يشعر احد بتأنيب الضمير تجاه شاب مثلي صرف عليه أبوه وأمه دم قلبيهما حتى يتعلم ويتخرج في الجامعة ليجد نفسه مطالباً بحراسة عمارة وكل ذلك مقابل 200 جنيه فقط لا غير تكفي بالكاد مواصلاتي؟». ومن الحراسة إلى القيادة وهي المهنة التي تلجأ إليها أعداد متزايدة من الشباب في ضوء الزيادة الرهيبة في أعداد السيارات الجديدة التي تكتسح شوارع العاصمة المصرية يومياً وما يعكسه ذلك للمرة المليون بعد الألف من سوء أو بالأحرى انعدام العدالة في توزيع الثروات. والملاحظ أن كثيرين من أصحاب السيارات الجديدة يتجهون إلى الاستعانة بسائق شاب يزيل عنهم عناء القيادة في الظروف المرورية المضنية. والأدهى من ذلك أن تعيين سائق سيارة خاص يعد في أحوال كثيرة ارخص من التعاقد مع مسؤول موقف اسفل المكتب لإيقاف السيارة ثماني او تسع ساعات كل يوم. إذ يتسلم السائق السيارة بعد توصيل صاحبها أو صاحبتها إلى مقر عمله ويبحث عن مكان يترك فيه السيارة في مقابل مبلغ زهيد. عمرو (26 عاماً) يحمل اجازة في علم الاجتماع ويعمل سائقاً لدى شاب في سنّه لأسباب لا تحتاج إلى تكرارها. يتقاضى راتب 400 جنيه بالإضافة إلى وجبة غداء محترمة. وإذا احتاجه صاحب السيارة ليقودها له في غير مواعيد العمل فهو يدفع له مبلغاً إضافياً. يقول عمرو إن راتبه يكفيه حالياً لكنّه لا ينوي «التورّط» في أي مشاريع خاصة بالزواج وتكوين اسرة لأنّ ذلك مستحيل بالنسبة إليه وبهذا الأجر الزهيد. تامر وعمرو، على رغم عدم رضاهما عن عملهما، يشعران أنّ وضعهما أفضل بكثير من ملايين غيرهما ممن ما زالوا يتعلقون بحبال الأمل البالية أو ممن ينتظرون أن تتحول وعود الحكومة إلى أفعال حقيقية أمينة خيري - دار الحياة |