|
من يقرأ .. ؟ هو سؤال بدأ ينهش عقول المثقفين والمدافعين عن الكتاب وعن القراءة، التي من المفترض أن تكون عادة يومية لكل فرد في المجتمع. فبعد مرحلة النهوض الفكري والثقافي التي عاشها مجتمعنا في القرن الماضي، وصلنا الآن إلى مرحلة من الجفاف الفكري؛ بعد الانقطاع عن القراءة، والتحول إلى عالم الفضائيات، وبعد أن دخلنا في أجهزة الكومبيوتر وعشنا فيها وجعلناها تتحكم في حياتنا وأفكارنا؛ فبدلا من أن نسيطر عليها امتلكتنا هي. شبابنا لا يقرأ.. لماذا؟ هل بسبب ارتفاع أسعار الكتب، أو الانشغال الدائم واللهاث وراء لقمة العيش، أو هو نفور عام من الكتاب بحد ذاته؟؟؟ كل هذه الأسئلة طرحناها على بعض المختصين في هذا المجال، وبعض الشباب من الجامعيين، والعمال، وأصحاب المكتبات.
رأي شباب... ¶ فراس (مهندس كومبيوتر)، قال: القراءة من الأمور الأساسية التي أواظب عليها. تتنوع المواضيع التي أقرؤها، مابين المواضيع العلمية المتعلقة باختصاصي (إلكترونيات وحاسوب واتصالات)، ومواضيع الصحة العامة، لكن أكثر الموضوعات التي أتلهف إلى قراءتها هي مواضيع المعلومات العامة، حيث أشعر بأنها تغني الأرضية المعرفية للإنسان؛ بحيث لا تتناول الموضوع لتلامس كامل جوانبه، وإنما تضعك على أهم المفاصل الرئيسية فيه، لترسم حدوده في مخيلتك؛ وبذلك تضعك أمام حافز لمعرفة المزيد عن هذا الموضوع أو ذاك... القراءة، كمصدر للمعرفة، طرأت عليها بعض التحسينات في يومنا هذا؛ حيث تنوعت وسائط القراءة والمعرفة؛ فمع التقدم العلمي حلت وسائل جديدة مساعدة؛ فمثلاً اليوم من منا لا يدخل إلى الشبكة العنكبوتية المسماة الإنترنت ليجول في فضاءاتها، ويبحث عن كل ما يريد، ليجد مئات بل آلاف المواضيع. كما أنَّ ثقافة الفضائيات باتت تغزو بيوتنا ومقاهينا وأماكن عملنا، لتقدم لنا كل فضائية أطباقاً معرفية، تتنوع وتختلف حسب الخطة المقترحة من إدارة القناة، لنجد أنفسنا على مسافة قصيرة جداً من معظم الأحداث التي تدور في العالم. هذه الوسائط وغيرها، أحدثت انقلاباً في المفهوم التقليدي للقراءة، وجعلت كلمة قراءة ذات معنى أوسع، يشمل أدوات أكثر تؤدي نفس الهدف المرجو وهو المعرفة. ¶ آلاء (سنة رابعة إعلام في جامعة دمشق) تقول: أفضل قراءة الكتب السياسية، وأبتعد عن كتب الأدب الحديث؛ لأنَّ مواضيع الأدب الحديث هي غالباً ما تحاكي الماضي المندثر، وهي بعيدة عن الواقعية، أما الكتب السياسية فهي تروي قصص العظماء بطريقة واقعية بعيدة عن التنظير والمبالغة التي اعتدنا عليها في الأدب العربي. وتتابع آلاء: إنَّ القراءة مع الأسف لم تعد إحدى العادات اليومية؛ وذلك لعدة عوامل، منها إيقاع الحياة المعاصرة الذي لم يترك مساحة للقراءة، ومنها دخول التكنولوجيا التي اجتاحت حياتنا بكل تفاصيلها، كما أصبح الإنترنت يقدم بديلا مختصراً للكتب. حيث إنَّ نفس الكتاب الذي ترغب بقراءته بإمكانك الحصول على ملخصه عبر الإنترنيت دون الحاجة إلى قراءته بأكمله، إضافة على أن الكثير من كتابنا ومثقفينا لم يطوروا أدواتهم في الكتابة ليواكبوا تطور الحياة، فاتسعت الفجوة بينهم وبين الواقع. - ماهر البستاني (طالب جامعي) يرى أنَّ انخفاض القراءة أمرٌ طبيعي؛ وذلك بسبب “الإحباط الثقافي” الذي نمر به كمجتمع عربي؛ فمن ناحية ارتفاع أسعار الكتب، ومن ناحية أخرى ندرة الكتاب العرب المبدعين، ولا ننسى موضوع اتجاه الشباب إلى القنوات الفضائية والكومبيوتر والإنترنت.. كل ذلك أثر بشكل كبير على انخفاض القراءة، خصوصاً عند الشباب. - نها منصور (طالبة علم اجتماع) توافق ماهر في الرأي، فتقول: إنه لأمر بديهي أن يصبح موضوع القراءة شبه منسي بالنسبة للشباب؛ ففي هذه الأيام من النادر أن ترى شاباً (أو فتاة) يهتم بقراءة الكتب، بل أصبح من يقرأ أضحوكة لرفاقه، وأعزو هذا الموضوع إلى الهجمة الإعلامية التي نتعرض لها نحن العرب، والتي تستهدف عقول الشباب بشكل خاص؛ وذلك لإنشاء جيل سطحي يفكر بنفس الطريقة، وللأسف فإنَّ كل الدلائل تشير إلى أنَّ الغرب قد نجح في هذه الحملة الإعلامية “المنظمة”. الكتب المطلوبة في المكتبات عند سؤالنا عدداً من أصحاب المكتبات في دمشق عن أغلبية الكتب المطلوبة، كان ردُّ الأغلبية، ومنهم السيد “جوزيف قزريان”: إنَّ الروايات العالمية المترجمة هي الأكثر طلباً، أما بالنسبة للكتاب العرب، فالطلب محدود بعض الشيء. وتمَّ تحديد بعض الأسماء، التي تكرَّرت عند أكثر من صاحب مكتبة، مثل “باولو كويلهو” و”غابرييل غارسيا ماركيز”، وغيرهم من أسماء الكتاب العالميين. من هذا نلاحظ تأثر أغلبية الذين يقرؤون بالدعاية والإعلام، سواء للقصة أم للكاتب. كما قال لنا السيد “جوزيف”: إنَّ الذين يدخلون إلى المكتبة هم من الطلاب الذين يشترون المراجع، أو بعض من المتقاعدين، وعلينا ألا ننسى أنَّ الارتفاع غير المقبول في أسعار الكتب، سواء العربية أم المترجمة، يحدُّ إلى درجة كبيرة نسبة اقتناء الناس للكتب. التكنولوجيا "دمرت" القراءة والقرّاء الكثير ممن قابلناهم أجمعوا على الدور السلبي للتكنولوجيا في انخفاض نسبة القراءة عموماً. ثائر السلوم (شاعر شاب) -كما عرف نفسه- قال: إنَّ التكنولوجيا “دمرت” القراءة والقراء! فالآن أستعيض عن الكتاب بصفحات “الويب”، أي بالإنترنت والمواقع الإلكترونية. وبالتالي عززت ما تسمى “ثقافة العناوين” نفسها على الشارع الثقافي. فمثلا أنا كشاعر شاب تأثرت كثيراً بانخفاض نسبة القراءة، وهذا أثر بشكل كبير علي شخصياً؛ فأنا أطمح لأن يكون لي قراء يتابعون أعمالي ويشترون كتبي، لا أن يتصفحوها عن طريق الإنترنت فقط... كتاب أم قرّاء تلك هي المسألة..!!! لم تقتصر ظاهرة التراجع القرائي على مجتمع معين، وبنظرة عامة نجد أنَّ كل ما هو مطبوع لم يعد يحقق استهلاكاً بسبب طغيان النتاج الرقمي. ومن غير الموضوعي أن نرجع تراجع القراءة إلى التطور التقني فحسب، ويجب أن نضع أنفسنا أمام إشارات استفهام عديدة: هل ما زال هناك كتّاب بإمكانهم تشكيل مجتمع كتب؟ هل مازال هناك قراء بإمكانهم حث الكاتب على العطاء؟. وجهة نظر الدكتور ثائر ديب مدير هيئة الكتاب ورداً عن سؤالنا حول انخفاض نسبة القراءة بين الشباب وعن سبب الرغبة عند أغلبية الفئات العمرية في قراءة الكتب المترجمة ، حدثنا قائلا: لانخفاض نسبة القراءة أسباب عديدة، أهمها ارتفاع أسعار الكتب، إضافة إلى أنه لا يقدم لجمهور القراء ما ينبغي أن يقدم على الدوام، أي إنَّ الكتب التي تخاطب اهتمامات القراء ومصالحهم ومستوى وعيهم قليلة. لمَاذا الكتب المترجمة مقروءة أكثر من الكتب العربية؟ لأنَّ نوعية التأليف منخفضة لدينا؛ فغالبية مايكتب باللغة العربية هو إعادة نقل لما هو مكتوب سابقاً، وكمية الإبداع والابتكار قليلة جداً. ومع ذلك فإنَّ الكتاب العرب، خاصة الروائيين والشعراء وكذلك المفكرين لا يزال لديهم جمهور واسع . وأضاف “ديب”: من أحد أهم أسباب انخفاض القراءة أنَّ الإيديولوجيات لم تعد مهمة بالنسبة للقراء كما كانت من قبل، والكتّاب لم يحسنوا العمل في الكتابة الإيديولوجية القيمة العلمية التي يفرضها العصر. بلدنا أونلاين |