|
محـارب قديـم فيهـا يـزورهـا: كليــة الإعــلام |
|
|
|
وسيم البراهيم
|
|
Thursday, 20 December 2007 |
|
الجامعة هناك، المدينة الجامعية هنا. الأوتوستراد نهر هائج، يفصل بين عالمين. حياتان، يصل بينهما نفق. مر وقت طويل، ظننت أن ذلك كله صار خلفك. وأنت كما ألفتك، تدمع لأي فراق حتى لو كان من جانب واحد، غير آبه بما تفارقة لكن لا يفارقك. ولوحت لذلك كله، وكأنهم غجر «أمير كوستاريكا» يشيعونك. الأكورديون لمقعد الحديقة، والغيتار لشجرة المشمش التي تظلله، بقية الأشجار تناولت كمنجاتها، أوتارها آثار خطاك، ذهاباً إياباً لأربع سنوات، وقوسها الأفق. يشيعون ما قلت لهم أن لا عودة عنه. إلى الأمام، بعيداً عنه، إلى المستقبل. صار ماض. ويا له من رحيل، فحتى قصة الحب انتهت لتواكبه، أو تكلله، للدقة.
وكنت تضطر لتزور ماضيك في مثواه الأخير. في الجامعة، تلاحق أوراق التصديق والوثائق. تضمر أن يحصل ذلك في لمح بصر، فلا تمهل ذاكرتك كي تستفيق عليك. تخطط كما لو أنها عملية سطو. ستنهض أبكر من العادة، ترتدي ملابسك بيد، وتدخن وتتناول قهوتك بالأخرى، وتتسلل إلى مشهد الحرم الجامعي قبل أن يمتلئ بالوجوه المعلّقة فوق الأجساد، بوجوم. تقضــي حاجتــك وتهـرب بأقصى سرعة، مشوشاً على انتــباه عيـنيك، متفادياً أن تحيل إليك أي اقتباس. اقتباس كالذي يأتي على لسان كاتبة قصة روسية، وهي تصف رجلاً: «قال إن له صديقان، أحدهما ميت. الميت يُحتسب». جملة قاتلة، خصوصاً لمن يجاهد ليفارق نفسه الماضية، وهو على قيد الحياة. عندها، ورغم كل الاحتياط، لا مفر من الألم في أسفل المعدة، كمضاعفات جهد زائد لضبط أي محاولة لمشاغبة حواسك. لا يزال هواة الجلوس على الأدراج مسمّرين، فيما يشبه الهوس. وللغرابة، وبعد سنوات، يمكن أن تلمح بينهم وجوهاً مخضرمة. تغيب الاعتصامات وسكّانها، وهم ذاتهم، تقريباً، سكّان الأدراج. يتسرب البعض من هنا إلى هناك، وكأنهم في ساعة رملية لا تلبث يد التكرار أن تقلبها. فلمّا كان الجلوس يومياً على الأدراج، تدخين وثرثرات وتعليقات تمتد من العاشرة صباحاً وحتى السادسة مساء في الصيف، أو الثامنة شتاء، فكان الأجدى جعل هذا الجلوس عنواناً لخدمة قضية، اعتصام لفلسطين يوماً، ثم العراق. ومثل أي واقع آخر، هناك أمور في الجامعة لا تعيها تماماً إلا إذا ابتعدت عنها، على اعتبار أن بينك وبينها مسافة أمان. في أكثر من مكتب للمراجعين، تصادف كوّة مربّعة الشكل، أبعادها لا تتجاوز 30*30 سم. والمراجعون هم عشرات الآلاف من طلاب كلية الآداب، بجميع أقسامها. صف طويل أمام قسم الديوان، وجمهرة تحتشد خلف الكوّة، البعض يريد تقديم طلب ما، وآخرون يريدون استلام الرد على طلباتهم. وأنت في الصف، يصعب عليك تقبّل الأمر. لا مفر من أن يضيق بك العالم. مرت سنوات وسنوات، تعاقب على الكلية عمداء، ولم يفكر أي منهم بفتح نافذة في تلك الجدران، تحــفظ قـدراً من كرامة الآدمي، بدل تلك «الطاقــة» التــي تمعن في مهانته، هذا قبل أن يكمل عليه الروتين وموظفوه. في قسم الصحافة، تلمس بعض التغيير. ملصق يحث من يريد اتباع دورات في المؤسسات الإعلامية السورية أن يراجع الإدارة. تفاجأ بأن أستاذة فاضلة عادت إلى ترؤس القسم، ناضلت، بكل معنى الكلمة، فيه 13 عاماً قبل أن تهجر إدارته، وتعود للمحاضرة فيه. ومهما كانت الظروف الاستثنائية التي استوجبت عودتها، كما تحفّظت، فهذا يبعث أملاً في نفسك، لعلّ الخير يعمّ بمعية الاستثناء، إذ أنها الوحيدة التي تعترفُ أمام نفسك بفضلها في تأهيلك أكاديميا. في المداخل، علّقت لافتة «ممنوع الجلوس على الدرج»، وهي تواجه طلاباً لا يزالون يصرون على أن الأدراج بحاجة إلى من يؤنسها. تصادف آخرين يؤلمك أن سنوات الدراسة توّهتهم بدلاً من أن تنيرهم، يعترضك طالب في سنته الأخيرة كنت صادفته مرة، لديه سؤال واحد، يقول. كل ما يريد معرفته الآن هو: هل أن ما كتبه أحدهم في الصفحة الأخيرة «عمود رأي أم زاوية؟». تعبر النفق، بين الجامعة والسكن الجامعي. النفق تشغله مكتبات تبيع القرطاسية والمحاضرات. ويكتظ قبل الامتحانات بشهر، فيغدو عبور أمتاره العشرين بحاجة إلى ربع ساعة زائدة التدفيش. ومن الطرف الثاني عليك المشي مسافة مئتي متر لتصل إلى باب السكن الجامعي. لماذا الأرقام هنا؟ لأنها تفيد في تفسير ظاهرة مؤلمة، هي مثل «الكوّة»، لم تتفاداها الإدارات المتلاحقة. عشرات الطلاب قضوا في حوادث سير، آخرهم منذ أسبوعين، وهم يعبرون الأوتوستراد من السكن إلى الجامعة أو العكس. في السكن، يقطن نحو 15 ألف طالب، أغلبهم يتوجهون إلى كلية الآداب والطب والصيدلة في الطرف الثاني، ولا بد من متأخرين عن المحاضرات، يخبرون عن ازدحام النفق ويستقربون المسافة عبر الأتوستراد، وهنا الكارثة. كنت منهم، إلى أن شاهدت بعينك كيف يمكن لإنسان أن يموت في طريق نهر هائج بالمعدن، خاصة عندما يقع حذاء ذلك المسكين الذي صدمته سيارة بين قدميك، والدماء تسيل عليه. هل المسؤولية تقع على عاتق المتأخرين وعبورهم الأهوج؟ لا بالتأكيد، ألم يفهم المعنيون بأن الطلاب بحاجة إلى جسر للمشاة يصل الجامعة بالسكن مباشرة، أم أنهم يؤدّبون الطلاب برفع عدد ضحاياهم؟! ثرت لما قال لك أخوك أنه عبر الأوتوستراد، لكنه أقسم بأنه لم يعرف بوجود النفق؟ هذا وارد، إذ لا يوجد أي إشارة تدل عليه، خاصة أنه يختبئ خلف موقف سيارات وأشجار تتدلى على الرصيف، وهو ما يجعل الحوادث تكثر خلال بدء تسجيل الطلاب الجدد في الجامعة. تصل السكن الجامعي، يخف وقع الذكريات، أو يتغير نوعه! على الميمنة، بناية للشبان، الغسيل يتدلى من أسلاك نصبت على أطراف النوافذ، البعض يقرأ، آخرون يبصبصون على الصبايا، يرمون بعض الغزل على المارّات، ويرنون إلى أخريات. في بناية على الميسرة، يجلسن بدورهن أمام شبابيك البناية المقابلة، يبصبصن أيضاً، ويتظاهرن بتجاهل سكان النوافذ المقابلة. ماضٍ يأتيك دفعة واحدة. باتساع الاتوستراد الهائج، بضيق الكوّة، بأشباح لا تزال على الأدراج، مثل شواهد المقابر الجماعية. ماضٍ ينال منك، ويجرفك معه في إحالات لا تنتهي، حتى بعد أن تغادر أمكنته. وما أمكنته؟ الجامعة؟ سكنها؟ مطارح تدخل إليها وأنت تفكر، بحماس جدي، في تأسيس حزب، وتخرج منها، مسحوراً بوقع تسمية «المحاربين القدامى». السفير |