|
بات الشباب يعيش في زمن الكتابات الساخرة، في زمن " النكتة" والتهريج والتعليقات الساخرة في خضمّ ما يعيشه اليوم، فالوضع العربي بتداعياته وارتفاع الاسعار المتزايد داخل الدولة، شكلا تربة خصبة لتوليد النكات السياسية على ألسنة المواطن الاردني للتنفيس عما تثيره هذه الأوضاع من إحباط، و أمسى يبحث عن كلمات ساخرة أو تعليقات ساخرة تخفف عليه رتم الحياة اليومية، والأهم المتراكم والمتزايد.
في البداية يجد أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي أن النكتة عموما هي وسيلة للتنفيس والتعبير عن الاحاسيس التي تدفع الشعب إلى تأليفها و نشرها ،و ترتبط هذه الدوافع بما هو محرم و مقدس، كالثالوث المقدس "الدين ،الجنس،السياسة"،و ترتبط بالطبقات الشعبية المقهورة و المضطهدة، التي تكبت الإضطهاد لتنفس وتعبر عن أفكارها من خلال النكتة التي لا تقتضي حقوقا للتأليف ، فهي تعبير عن الكبت الذي يعانيه المواطن من منعه من التعبير عن رأيه، فهو محاصر بشكل عام حتى في الإعلام، و هي التعبير الذي لا يمكن ضبطه فتكون مثلا في جلسة وتنتشر بسرعة فائقة وهي سلاح مهم وخطر أحيانا. ونلاحظ دائما أن النكات تسير في اتجاه معين وفي لحظة تسير في اتجاه آخر، وهي مرتبطة برأي الناس وبأحداث معينة وأشخاص معينين. وعندما تختفي في اي مجتمع يعني ذلك من وجهة نظر علم الاجتماع أن الشعب في حالة ضيق واكتئاب شديدين لأنها وسيلة التعبير الرئيسة ولسان حاله فهي " محاولة لقهر.. القهر"! الأردنيون يحبون سماع النكتة السياسية ولا يحبون اطلاقها وقال الخزاعي للنكتة وظيفة اجتماعية نافعة لا باعتبارها أداة محافظة تضمن بقاء التقاليد ووسيلة نقد، وإنما باعتبارها أيضاً وسيلة فعّالة لتحقيق ضرب من التغير الاجتماعي ووسيلة تنفيس عن الضمير الجمعي،حيث إن لكل مجتمع طريقته في الدعابة وأنماطه في اطلاق النكتة والضحك لها. و من المؤكد أن الفكاهة هي خير مرآة تنعكس عليها أحوال كل مجتمع وما مر به من أحداث، وما اكتسب من مقومات وما اندمج في خلقه من سمات. وفي الاردن لا يوجد درسات متخصصة تناولت نكات الاردنيين الا انها تتمحور جميعها حول سكان بعض المحافظات ، تليها النكات ذات الطابع الجنسي، ثم السياسية وأخيراً الدينية. وهناك اتفاق متعارف عليه بين متداولي النكات وهي تتعلق باخلاقيات سرد النكتة وتداولها ، فالنكتة الجنسية عادة لا تسرد إلا بين أبناء الجنس الواحد ( ذكر مع ذكر او فتاة مع فتاة ) ، والسياسية لا تسرد إلا للمقربين والاصدقاء الثقة ، والدينية تُسرد بحسب تقدير الراوي للموقف، أما النكات المتعلقة بسكان بعض المحافظات اي النكات الشعبية فهي الأكثر تمتعاً بحرية السرد والارسال ، ولعل ما يميز الاردنيين حب سماعهم للنكته وليس قولها وخاصة السياسية منها . الكتابة الساخرة ..هي سلاح الضعفاء في مواجهة الضعفاء الكاتب الأردني الساخر يوسف غيشان يقول استخدم الكتابة الساخرة – وليس النكتة- ليس لغايات التنفيس عن الناس ، فهذا ليس هدفي على الإطلاق....فالكاتب الساخر ليس "دبوسا" يعمل لصالح الأنظمة الحاكمة لمنع الإحتقان الشعبي وتنفيسه حتى يستمر الحاكم في قهر الشعب ويستمر الشعب في الضحك أو الأنين دون أي فعل شعبي حقيقي. ويوضح غيشان لا انكر ان الكتابة الساخرة تقوم احيانا بالتنفيس عن الناس ، لكني لست ضد ذلك في حالة واحدة وهي ان تكون القوى الإجتماعية المدنية (احزاب\ نقابات\ برلمانات\هيئات \وما الى ذلك) ضعيفة وغير قادرة على احداث التغيير او ردع الحكومات من التغول على الناس ...فيكون الحل التنفيس أو الدمار في ثورات جياع غاضبين يدمرون الأخضر واليابس . هنا يكون للتنفيس هدف تقدمي لحين اكتمال وعي المجتمع وقدرته على الدفاع عن حقوقه امام تغول السلطة التنفيذية وأجهزتها على السلطات الأخرى..!! مؤكدا أن الكتابة الساخرة ..هي سلاح الضعفاء في مواجهة الضعفاء ..وما انا الا جندي صغير في فيلق المقاومين للقمع والمحاربين ضد لصوص الديمقراطية والحرية ...هي سلاح يمتشقه الساخر من اجل ان يعي المجتمع ذاته ويعزز قواه الحية للمقاومة. البسمة في المأساة تعين على تحملها الممثل الاردني نبيل صوالحة يبين أن النكتة على الواقع هي ناتجة من المثل الدارج شر البلية ما يضحك ، والمواطن دائما وعلى مر العصور عندما تسوء احواله ويصبح غير قادر على تحملها يستعين بالنكتة للتعبير عما في داخله، مشيرا إلى انه مثلا لو صدرت نكنة او مثل مشهد ساخر عن زعيم ما فهذا لكي يتحمله الناس وليس كي يثوروا عليه ، فالناس تلاقي البسمة بالمأساة فتصبر عليها . وعن اقبال الجمهور على المسرح السياسي الساخر قال المسرح السياسي الساخر هو الوحيد الذي يتفاعل معه الجمهور حيث إن المواطنين يجدون فيه تفريغا لما في داخلهم فالسخرية الطريقة الوحيدة لتحمل المصيبة ، وهو يلامس عصب الانسان وقلوبهم . وعن المقولة الشائعة بأن المجتمع الاردني مجتمع نكدي قال صوالحة إن طبيعة المواطن الاردني مرح ويحب الفرح لكن الاجواء المحيطة به ملفوفة بالنكد فوجود اسرائيل نكد والمتطرفون في الحياة والذين يشعرونا بالنكد وغيرها من الامور. ايلاف |