|
لم يكن أمام محسن، الحاصل على ماجستير في الاقتصاد، غير استئجار عربة ليبيع عليها الفراولة، وفواكه أخرى، مقابل الجامعة التي تخرج منها في مدينة نابلس. يخرج محسن صباحاً إلى «الحسبة» أي سوق الخضار، يقرر ما يريد بيعه من الفواكه على عربته في ذلك اليوم، ويبدأ رحلته الصعبة، كما يصفها. ويقول: «لم يكن من السهل عليّ أن أتأقلم مع طريقة عمل لم أتعلمها في دراستي للفت انتباه الزبائن، بت أجيد الصراخ، والغناء، وتأليف الأبيات الشعرية الخاصة بالفاكهة التي أبيعها، وسيلة للترويج وإغراء الزبائن».
ويضيف محسن: «صحيح أنني أشعر بحزن شديد لاضطراري للعمل في مجال لا يتطلب شهادات، لكني لا أرضى أن أبقى عالة على أسرتي، وأمد يدي لوالدي للحصول على شواكل قليلة (الدولار 5, 3 شيكل). ومنذ عامين وأنا أعمل بائعاً متجولاً. اليوم بت أجيد هذه المهنة، وأعرف مفاتيحها، وطرق التميز فيها». ويعتبر محسن، الذي يعد أيامه للسفر إلى دولة خليجية، بعد أن نجح في إبرام عقد للعمل في شركة استشارات اقتصادية، أنه محظوظ في نظر الكثيرين من الشبان والفتيات في الأراضي الفلسطينية، والذين يملكون مؤهلات مشابهة، ولا يجدون فرصة عمل أو حتى فرصة هجرة. وتعتبر البطالة، من أهم المشاكل التي يعاني منها الشباب الفلسطيني، وتشير الإحصاءات الرسمية الأخيرة إلى أن نسبتها تفوق 55 في المئة، نتيجة عدد من العوامل، أبرزها الحصار الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والإغلاقات المستمرة التي تمارسها قوات الاحتلال على مدار العام، إضافة إلى سوء الأحوال الأمنية في الأراضي الفلسطينية. وما لا شك فيه أن البطالة تترك آثاراً نفسية واجتماعية غاية في السوء، على ما يؤكده اختصاصي علم النفس الاجتماعي نبيل الهبش الذي يضيف انها «تولّد لدى الفرد شعوراً بالنقص، وتشجع على انتشار آفات اجتماعية عدة، كالسرقة، والنصب، والدعارة والجريمة، إضافةً إلى أن الفرد العاطل عن العمل يشعر بالفراغ وبعدم تقدير المجتمع له، ما ينشأ لديه ردات فعل تتسم إما بالعدوانية أو الإحباط، فضلاً عن أن البطالة تحرم المجتمع من الاستفادة من طاقة أبنائه، وانعكاسها السلبي على العلاقة الأسرية». ويحذر الاختصاصي نفسه من أن البطالة «تمثل إحدى أخطر المشكلات التي يواجهها المجتمع، لأنها توفر الأرض الخصبة لنمو الأزمات الشخصية والعامة كما أنها اقتصادياً تفقد المجتمع فرص الاستفادة من موارده البشرية، ما يعرقل خطط التنمية إن وجدت, ويقتلها في مهدها، خصوصاً أنها تدفع الشباب إلى الهجرة، بحثاً عن فرص عمل». من جانبه، يؤكد لؤي شبانة، رئيس الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن الشباب الذي يشكل ثلث المجتمع الفلسطيني، «بات يرغب في الهجرة، بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها، كما يعاني في شكل كبير من البطالة والفقر». ويشير في دراسة أعدها المركز، الصيف الماضي، لمناسبة اليوم العالمي للشباب، إلى أن «نحو ثلث الشباب يفكرون بالهجرة بنسبة 45 في المئة للذكور و18 في المئة للإناث»، و «أن السبب الرئيس هو الوضع الاقتصادي (96 في المئة للذكور، و66 في المئة للإناث يليه عدم توافر الأمن والأمان في الأراضي الفلسطينية (80 في المئة للذكور و73 في المئة للإناث)، وتلعب الأسباب السياسية دافعاً إضافياً للهجرة أيضاً بواقع 62 في المئة للذكور، و33 في المئة للإناث». و يلاحظ شبانة أن الخطاب عند الشباب «يتسم بالجمع بين التفاؤل والتخوف، التفاؤل إزاء المستقبل وإمكانات التغيير الإيجابية التي قد يحدثها الشباب، والتخوف من عبء المسؤولية تجاه مطالبهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية». ويعرّف شبانة الفئة التي شملتها الدارسة بأنها تشمل فلسطينيين في الفئة العمرية 15-29 سنة. وتعليقاً على هذه النتائج, تقول آمنة الريماوي عضو الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين إن «تفاقم أزمة البطالة، وانخفاض نسبة التشغيل للقوى العاملة في فلسطين، وما رافق من تهديد للاستقرار السياسي والأمن الوظيفي، وغياب الحماية الاجتماعية للعاملين، تعود الى أسباب منها إجراءات الاحتلال الإسرائيلي وسياسة التدمير للبنية التحتية للاقتصاد الفلسطيني التي مارستها قوات الاحتلال من جهة والتناحر الداخلي من جهة أخرى, إضافة إلى إغلاق سوق العمل في المشاريع الإسرائيلية أمام العمالة الفلسطينية، ومعوقات تصدير الأيدي العاملة الى لدول العربية والأجنبية. والسياسة الاقتصادية التي انتهجتها السلطة الوطنية خلال الـ 15 سنة الماضية، وفتح الأسواق لتدفق البضائع الأجنبية من دون توفير الحد الأدنى من الحماية للمنتجات المحلية». وإضافة الى أن «عدم انسجام التعليم العالي والتدريب المهني مع متطلبات سوق العمل الفلسطيني دوراً كبيراً لا سيما مع ما أدخلته ثورة التكنولوجيا إلى سوق العمل، وعدم توفير بيئة استثمارية تساهم في ايجاد المزيد من فرص العمل والاستعاضة عنها بالمشاريع الاستثمارية الصغيرة التي تستوعب 60 في المئة تقريباً من العمالة المتاحة». الحياة - 21/04/08// |