|
في خطابه بمناسبة عيدي الشباب والإستقلال في 21 آذار الماضي، أعلن الرئيس التونسي زين العابدين بن على عن إطلاق حوار شبابي وصف بالشامل ويهدف إلى "صياغة ميثاق شبابي وطني لمعرفة تطلعات الناشئة وتهيئتهم لمستقبل واعد". وتقول السلطات في تونس إن هذا الحوار سيتمّ دون إقصاء لأي طرف سياسي أو جمعياتي في البلاد. إذ سيشمل شباب الأحزاب والجمعيات والشباب غير المهيكل في تنظيمات المجتمع المدني. كما يقوم بتنشيط حلقات الحوار قرابة 1700 شاب وذلك بحضور مسؤولين حكوميين.
ومن المقرّر أن يتمّ تنفيذ هذا البرنامج على مرحلتين: المرحلة الأولى وهي مرحلة الحوار وتتمثل في مشاركة الشباب في النقاشات الدائرة وتقديم مقترحاتهم وآرائهم بخصوص عدد من القضايا ، والمرحلة الثانية سيتم خلالها إعداد الميثاق. وقد تم تخصيص جدول زمني للمرحلتين تنتهي الأولى في شهر يونيو بعد حوارات محلية وجهوية وخارج حدود الوطن وتتمّ عبر الانترنت ووسائل الإعلام المختلفة ، أما المرحلة الثانية فستكون في أواخر أيلول وتتوج بصياغة ميثاق شبابي وطني، وهو عبارة عن مرجع أساسي من أجل إعداد إستراتيجية وطنية للشباب في تونس. وتتحدث وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية في تونس عن " تجاوب من قبل الشباب ومشاركة كثيفة في المنابر التي فتحت لأجله ليدلي بآرائه بكل حرية ومسؤولية"، في حين شككت عدد من الصحف والمواقع الالكترونية المحسوبة على المعارضة بجدوى هذا الحوار واعتبرته" محاولة لاحتواء الشباب التونسي ضمن الأطر الرسمية خصوصًا بعد ظهور عدد من التحديات الجدية والخطرة على هذه الفئة العمرية التي تمثل ثلث عدد سكان البلاد البالغ 10 ملايين نسمة. خطوة ضرورية لمجابهة تحديات حقيقية الإعلان عن بدأ سلسلة من الحوارات مع الشباب تحمل عنوان "تونس أولا" لم يكن وليد اللحظة، فمع ظهور عدد من الظواهر السلبية والأرقام المفزعة في ما يخص شباب تونس ،أضحى من الضروري الاقتراب أكثر من هذه الفئة قصد فهم خفاياها ،مشاكلها وتطلعاتها . وتقدم الإحصاءات الرسمية والمستقلة صورة قاتمة عن أوضاع الشباب التونسي، فوفق أرقام وزارة الشباب فإن83,3 في المئة من الشباب لا يشاركون في نشاط المجتمع المدني و 72,3 في المئة منهم لا يشاركون في الانتخابات كما أنّ نسبة الذين يرتادون المؤسسات الثقافية من مكتبات ودور الشباب ونوادي ثقافية ورياضية وغيرها لا تتجاوز 6 في المئة، أمّا المشاركون في الأعمال التطوّعية فلا يتجاوزون 22 في المئة.
وجاء في استبيان آخر قامت به وزارة الشباب عام 2006 أنّ 88 في المئة من الشباب التونسي يستخدمون العنف اللفظي في الفضاء العامة وفي المؤسسات التربوية وفي المقاهي والملاعب.
كما تفاقمت في السنوات الأخيرة ظاهرة العنف في الوسط المدرسي وهو ما جعل وزارة التربية تجري عديد الندوات التي تهم هذه الظاهرة، كما ركزت مختلف وسائل الإعلام عليها واعتبرتها "مرضًا جديدًا بدأ في غزو الفضاء المدرسي في تونس".
كما أضحت البطالة في تونس المعضلة الكبرى خصوصًا لدى خريجي الجامعات وأصحاب الشهائد العليا. إلى ذلك تشير أرقام الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين في إحصائية أصدرتها في شباط/فبراير الماضي أنّ 95 في المئة من المعتقلين بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب الذي صدر في 2003 والذين قد يصل عددهم الألفين هم من الشباب اليافع وأغلبهم من التلاميذ والطلبة.
وتتهم السلطات في تونس مختلف الأحزاب السياسية بعدم العناية بالشباب وتأطيره ، خصوصًا إثر الاشتباكات المسلحة التي شهدتها ضواحي العاصمة التونسية نهاية العام 2006 وتورط فيها عدد من الشبان المحسوبين على التيار السلفي. هذه المؤشرات الشبابية المختلفة تعطي للحوارات التي تجرى حاليًا في تونس أهمية خاصة للغاية ، ويقول السيد عبد الرزاق ناجي مدير إحدى دور الشباب التي تجرى فيها الحوارات لإيلاف: هذه الحوارات تأتي في مرحلة حساسة للغاية في تاريخ الشبابي التونسي، إذ إن الحوار وحده ولا شيء غيره كفيل بتشخيص العيوب الكثير التي بدأ الشباب يعاني منها وعلى رأسها البطالة والانحراف والمخدرات، يجب الاقتراب الى الشبان أكثر ما يمكن، ثم إن الاستماع الى مشاكل الشباب وحده غير كافٍ بالمرة فإلى جانب الاستماع على وجب إشراكهم في صياغة الحلول". من جهته، يعتبر الدكتور مهدي مبروك أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية أن الإطار الذي تأتي فيه حوارات الشباب ليس إطارًا بريئًا أبدًا، وإنما ينمّ عن تعبئة سياسية بامتياز. ويقول "مبروك" لإيلاف: النقاش الشبابي يأتي في مرحلة تشهد انطلاق لجان التفكير التي ستصوغ لوائح مؤتمر الحزب الحاكم الذي سيعقد خلال الأشهر القادمة، كما انه يأتي قبيل الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي الذي ينتظر البلاد في أفق 2009، وهو ما لا يمكن اعتباره مصادفة ". المشاركة... بوسائل مختلفة وبادرت الحكومة التونسية منذ انطلاق الحوار ببعث موقع الكتروني في الغرض تحت عنوانwww.pactejeunesse.tn،ويتضمّن هذا الموقع جملة من الأركان والنوافذ التي تعتني كلها بالحوار وتضم: ركنا مخصصًا للمشاركة في الحوار، وركنا يتضمن مختارات من الحوار. وركنا يحتوى على مؤشرات شبابية ومن خلاله يمكن التعرف إلى الخصائص الديموغرافية، والتربوية والاقتصادية والحراك والهجرة لدى الشباب التونسي. كما يجوز لمتصفح الموقع أن يطلع على أخبار الحوار بالخارج ومدى تفاعل الجالية التونسية معه. ويشير استفتاء حديث قام به المرصد الوطني للشباب (حكومي) إلى أن 57% من الشباب يفضلون المشاركة في الحوار عبر استعمال الانترنت في حين أن 22% منهم يحبذون الحوار عبر المنتديات و19% فقط عبر وسائل الإعلام الأخرى. ويحلو لبعض الشباب المشارك في الحوار عبر الانترنت وصف الأسئلة المطروحة عليهم بـ"التوجيهية ومعلومة الإجابات مسبقا". وتظل الحوارات المباشرة عبر الفضاءات العامة التي فتحت أبوابها لاحتضان هذا الحوار أهم الوسائل التي لجأ إليها بعض الشباب المشارك ، إلا أن استعمال دور الشباب والثقافة لقي استهجانًا من بعض المتابعين الذين لا يؤمنون بحيادية الحوار وشفافيته في تلك الأمكنة، إذ إن الحزب الحاكم في تونس (التجمع الدستوري الديمقراطي ) يهيمن بشكل واضح على مختلف تلك الفضاءات العمومية وبالتالي لا يمكن الحديث عن شفافية تامة لهذا للحوار، ولا عن استعداد تام من قبل الشباب للخوض في كل المواضيع بحرية ، سواء بطرحها أو مناقشتها خوفًا من أعين الرقيب . ويرى الدكتور مهدي مبروك أن: "الحوار الذي جاء ضمن أجندة سياسية وحزبية واضحة المعالم ،يجرى في فضاءات لا تبدو عمومية كما يحلو لبعضهم الترويج والدعاية لها، فالشباب التونسي يعاني من خشية وتخوّف من دور الشباب والثقافة والفضاءات الجامعية التي تعتبر بالنسبة إليه مجالات موظفة من الحزب الحاكم وهي تكون عادة محلّ تتبعات أمنية تغيب فيها أبسط مقومات الحرية والشفافية". ويضيف "مبروك" قائلاً: أن تعقد الحوارات في هذه الفضاءات على أنها مريحة بالنسبة إلى الشاب، فإن ذلك يعني إمعانا في إقصاء الآلاف من هذه الفئة العمرية ، وهو ما سيفضي في نهاية المطاف إلى حوارات بصوت واحد لكن بعزف على مقامات مختلفة ، ولا ننسى أن الكفاءات التي تديره هي كفاءات معينة بالضرورة وتنتمي الى جهة سياسية واحدة ومعروفة وهي الحزب الحاكم، الأمر الذي سيعزز الفرضية التي رسمناها حول النتائج المرجوة من هذا الحوار الذي تغيب عنه مبادئ الحياد العلمي الذي يجب على من يدير مثل هذه الحوارات أن يتحلى به". غالبية الشباب... لا تبالي إيلاف التقت عددًا من الشباب وطلبة الجامعات في تونس، للبحث في مدى استعدادهم وإقبالهم للمشاركة في الحوارات التي خصّصت لهم، فتعددت الآراء وتضاربت التصريحات. وترى الآنسة بشرى 23 سنة طالبة الاقتصاد أن الحكومة لم تستشر الشباب في طريقة إدارة الحوار ومن سيشرف عليه وتقول :لو طلب منا نحن معشر الطلبة أن نحدد الطريقة التي سنتحاور بها والمكان الذي سنتحاور فيه ،لاخترنا الحياد الحقيقي للحزب الحاكم، مقابل إعطاء الحرية المطلقة للشاب في التحدث في ما يرغب فيه ، لا أن تفرض عليه مواضيع النقاش بصفة مسبقة." أما زياد 26 سنة وهو أحد المتطوعين لتنشيط الحوارات الشبابية فيقول لإيلاف: ندرك أن بعض الشباب لا يزال يحترز من النقاشات الدائرة، منذ أيام اتصل بي أحدهم واتهمنا بالتعامل مع الجهاز الأمني في الوشاية بالشباب الذي يطرح مواضيع وصفها بالجريئة والمسكوت عنها، أقول لمن تخلف عنّا حتى اللحظة: الحوار حرّ بالفعل التحقوا بنا وستدركون مدى جدية وشفافية النقاشات عندنا،ثم إن النقد والإصلاح لا يكون إلا بالجلوس بيننا ومصارحتنا بالعيوب والبناء على الايجابيات". من جهة أخرى يؤكد السيد أحمد بوعزي القيادي بالحزب الديمقراطي التقدمي المعارض والمسؤول عن مكتب الشباب فيه لإيلاف أن" لشباب حزبه -الذي لم توجه له الدعوة إلى المشاركة في النقاشات الدائرة - فضاءاته الخاصة في مقرّات الحزب حيث يستطيع أن ينشط في الميادين الثقافية والسياسية المختلفة،كما يمكنه أن ينظّم جلسات حوارية في المسائل التي تخص تونس وتخص مستقبله في الميادين التي يريد، لأن شبابنا له من الاستقلالية الذاتية ما يمكّنه من ذلك. وبما أن فضاءات "الحوارات الحكومية" مغلقة في وجه شباب المعارضة فإن لهم فضاءات مفتوحة للحوار الحر النزيه دون خلفيات أو إقصاء" كما نفت مصادر بالاتحاد العام لطلبة تونس (المنظمة النقابية الطلابية القانونية الوحيدة في تونس) بشدة لإيلاف، مشاركة منخرطيها في النقاشات والحوارات الدائرة، وكشف بعض النقابيين الشبان عن وجود إقصاء متعمد للاتحاد عن هذا الحوار . ويقول وسام الصغير عضو الهيئة الإدارية للاتحاد الطلبة : "هذه الحوارات هي بروبوغندا سياسية تهدف الحكومة من خلالها لتغطية عجزها عن تلبية المطالب الشباب الطلابي الأساسية والحقيقة كالمنح الجامعية والسكن والشغل. كما أن للأمر علاقة مباشرة بقرب استحقاق 2009 الانتخابي وهو ما يفسّر الرغبة في كسب أصوات الشباب ، هذا إن كنا نتحدث طبعًا عن انتخابات شفافة ونزيهة بأتمّ معنى الكلمة". ويضيف الصغيّر: "الإقبال المحدود يكشف بوضوح عدم جدوى هذه الحوارات الحزبية التي تشارك فيها فئة وحيدة من الشباب هم "التجمعيون "(نسبة الى الحزب الحاكم)،أما مواضيعهم فليست معمقة بما فيه الكفاية، سمعتُ أنها تحوم حول جوهر المشاكل ولا تحاول الغوص ". مواضيع غير جريئة ولعل ما أشار إليه النقابي الشاب حول عدم جرأة المواضيع المطروحة قد تردد في أكثر من مناسبة، إذ أفاد عدد من المشاركين في الحوارات بأن بعض القضايا الحساسة لم تجد لها سبيلاً بين الشباب على غرار قضايا المخدرات والجنس و الفكر المتطرف . ويقول الدكتور مهدي مبروك في هذا الصدد:"هندسة الاستمارة التي تقدم للشباب في هذا الحوار – والتي اطلعنا عليها- تظهر غلبة الطابع التوجيهي على مختلف الأسئلة والمواضيع المطروحة، وبالتالي فالأجوبة ستكون معروفة بصفة مسبقة وهو ما يعني رسم الصورة التي تطمح إليها الحكومة من خلال هذا الحوار وهي أن شباب تونس هو شباب نابذ للتطرف والعنف علاقته بهويته ضعيفة للغاية، غير معني بالشأن العام، وراغب في العلاقات المفتوحة". أما السيد أحمد بوعزي فيقول في هذا الصدد:لا اعتقد أن الشباب المشارك قادر على الخوض في كل المواضيع التي يرغب فيها ، هنالك عدد ضخم من المحرمات أو ما نسميه هنا بالتابوهات، كمشكلة الفساد المالي المتفشّي في البلاد والذي يتحدّث عنه الشباب في حلقاته الخاصّة للغاية، وبيع أراضي الدولة إلى القطاع الخاص وتمويل مشاريع خاصة بالمال العام بصورة غير قانونية إلى غير ذلك .. وأعتقد شخصيًا أنه إن لم يقع الحديث في هذه المحرّمات بكل شفافية، فإن الشباب سوف يفهم أن "الحوار" ليس إلاّ محاولة تخدير ومغالطة لامتصاص الكبت السياسي الذي يعاني منه." وبخصوص قضية الفكر السلفي الجهادي الذي بدأ في التسلل الى ذهنية الشباب التونسي شيئًا فشيئًا، يقول الدكتور مهدي مبروك أستاذ علم الاجتماع :"سبق لرئيس الجمهورية اثر الأحداث المؤسفة التي شهدتها البلاد في 2006 في ما بات يعرف بقضية سليمان أن اتهم أحزاب المعارضة بضعف تأطيرها للشباب ، لا أظن أن ذلك صحيح ، إذ إن الحل الأمني الذي ينتهجه الحكم في تونس ومدى تأثيره على حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة هو ما ينفرّ الشباب عن العمل السياسي والتنظم ضمن الأطر الحزبية والجمعياتية، الأمر الذي يؤدي بدوره الى ظهور ما يشبه الفردانية المتورّمة لدى الشاب التونسي الرافض للتنظم أو التنازل أو التفاوض . ايلاف 17/4/2008 |