لا تمضي سنوات الدراسة في الجامعة إلا وقد أمضى الطالب فيها فترة صعبة من ضغوطات الدراسة، لنيل الشهادة باعتبارها (الورقة الرابحة) لفتح بوابة المستقبل، ودخول عالم جديد يرسمه الطالب بمخيلته، بمجرد التفكير فيما لو أصبحت بين يديه. قد تختلف التطلعات والنظرة إلى هذا المستقبل من طالب إلى آخر. ولكن الهدف يبقى واحداً؛ فالشهادة الجامعية بالنسبة للكثيرين منهم هي أشبه باستمارة ملء طلب وظيفة موافق عليها سلفاً، ولكن للواقع كلمته القاسية أحياناً.
علي (معهد تعويضات سنية) بالغ في تخيل مستقبله مع شهادة قالوا له قبل دخول المعهد إنها (بتقص ذهب)، ولكنه انتهى إلى العمل في قص القماش في معمل للخياطة؛ يقول علي: "بعض المخابر قبلت توظيفي بشرط العمل المجاني، بحجة فترة التدريب، التي يجب أن أكتسبها. والأسوأ أنَّ بعض المخابر تطلب المال مقابل العمل فيها للحجة ذاتها". أحلام الشباب وآمالهم وحتى الصعوبات التي مروا بها أثناء الدراسة، باتت رخيصة جداً أمام ماقد تعوضهم به الوظائف الشاغرة-إن وجدت. ومع وهم المستقبل المضمون، راحت رشا (معهد فنون تطبيقية) تخطط خارج المستحيل؛ تقول رشا: أنهيت سنوات الدراسة بشقّ الأنفس بسبب ظروفي الصعبة. فنّ النحت اختصاصي، لكن الوظيفة في هذا المجال غير متوافرة.. عشرات المعارض تصنع لي مستقبلا، لكنني لا أستطيع حمل عبء تكاليفها.. وعملي الحالي في محل بيع للألبسة راتبه زهيد. (العمل ليس عيباً)؛ هكذا قال شادي (معهد تجارة). ولكن العيب هو أن نضيع سنوات من حياتنا من أجل ورقة نعلقها للبريستيج فقط. لم أجد وظائف شاغرة، ولم يحالفني الحظ، فقبلت بالعمل في محلّ بيع الحلويات، ريثما أجد وظيفة ضمن اختصاصي. يبدو أنَّ كثرة المتخرجين من الجامعة وازدياد البطالة زادت الطين بلّة، عندما أصبحت هذه الحالة فرصة لأرباب العمل، عندما يوظفون حملة الشهادات الجامعية، مستغلين حاجتهم من خلال فرض الرواتب والشروط حتى لو كانت ظالمة.. و(مصائب قوم عند قوم فوائد). هذه حال الكثيرين كما قال خليل (معهد هندسي)، جازماً أنه يرى في مهنة الحدادة لقمة عيشه وعيش أهله المسؤول عنهم؛ يقول: "حسبتها والنتيجة كانت أنَّ الحدادة تعطي أضعاف ماتعطيني إياه الشهادة". وبالمثل (باسل) راض تماماً عن وظيفة ليس لها أيّ صلة بدراسته، فقد ترك شهادة (الأدب الإنكليزي) منسية، ليعمل (حلاقاً)، مؤكداً أنَّ هذه المهنة أفضل من مئة شهادة لا تطعم خبزاً. تحت ساطور غلاء المعيشة وظروف الحياة الصعبة التي تواجه الناس، قَبِل جلال العمل في محل تصوير فوتوغرافي، رغم أنه يحمل شهادة هندسة مدنية؛ يقول جلال: "شهادتي تحتاج إلى مكتب ولا أملك القدرة المادية على ذلك، والوظائف إن وجدت فهي لا تؤمن مايحتاجه الفرد.. عملي حالة مؤقتة، وأنتظر فرصة أفضل ضمن اختصاصي. كثير من الطلاب يدخلون جامعاتهم على أمل أنَّ الدولة هي من سوف تؤمن لهم فرص العمل، التي يعتبرها ياسر (كلية آثار ومتاحف) وهمية؛ يقول الشاب: "بعد التخرج تقدَّمنا لمسابقة تحكيم يقومون على أساسها باختيار الموظفين. ورغم المعدل الجيد جداً، رفضت بحجة أنه لا توجد وظائف شاغرة.. إذاً لماذا يعدوننا ولماذا يقيمون المسابقات". لكلّ ظروفه ولكلّ حاجته إلى العمل، إلا أنَّ رانيا (علوم طبيعية) امتنعت ظروفها العائلية كما امتنعت شهادتها أن تكون حلا لوضعها الصعب، حيث أوضحت: "أربع سنوات من أجل شهادة لانعلم مافرصة العمل التي قد تؤمنها لنا. أنا أعمل سكرتيرة في أحد المكاتب وأتقاضى 12000 ل. س، 6000 منها ثمن أجار للغرفة، والباقي مصاريف أخرى". حالةٌ من الضياع، مع عبء يثقل كلّ يوم؛ فإما البطالة، وإما الرضوخ للظروف مهما كانت رديئة. هذه حال كثير من المتخرجين من الجامعات والمعاهد؛ ظروفهم صعبة، ومتطلبات الحياة القاسية تتلاعب بهم لتدفعهم نحو خيارات لايريدونها.. هم لايحلمون بالكثير ولابالمستحيل، ومع هذا يقلصون أحلامهم لتصل حدّ السعي وراء الضروريات لا الكماليات، متمسكين بحلم التوظيف (باختصاصهم). |