|
كغيرهم من ملايين الفلسطينيين والعرب، عاش الشباب الفلسطينيون حالاً من الصدمة والذهول، لرحيل الشاعر الكبير محمود درويش، الذي تربوا على أشعاره، ورددوها على الدوام، في مدارسهم، وجامعاتهم، ولقاءاتهم، وكان للعديد منهم حكايات معها ومع صاحبها. مســاء الأحد الــماضي وفي الــيوم التــالي لرحــيل درويــش، تجمع المئات من الشبان والفتيات، يرافقون غيرهم من أجيال مختلفة، في ساحة «مركز خليل السكاكيني الثقافي» في رام الله، حيث مكتبه، يضيئون الشموع عن روحه، ويذرفون الدمع الغزير. فهو بالنــسبة إليهم ليس إنساناً عادياً!
الــطالبة الجامعية منى أحمد، حــملت شــمعة، وكــانت تذرف وإياها الدمع، كلما داعبت بعينيها صورة درويش العملاقة الممتدة من أعلى المبنى إلى أسفله. تقول: «الخــسارة كبــيرة جداً بعد رحيل عرفات، والآن درويــش، ليــس هــناك من نــبكيه... الرموز الفلــسطينية تتــساقط». سماح سلمان، جاءت من بيت لحم: «محمود درويش علمنا كيف نصعد للقمة لنســمك بخيوط الشمس ونرى النور، فقصائده محفورة في قلوبنا وعقولنا. ســنبقى نذكره مع نســيم الــصباح وعند شــروق الشــمس ومــغيبها، مع كل حرف حفظناه من قصائده الثورية التي لطالما شعرت بالفخر لأنني ارددها وسأبقى اأرددها وأتغنى بها». وتضيف مخاطبة روح درويش: «نعــشقك يا عاشــق فلسطين». وحفلت صفحات الإنترنت، والمنتديات الإلكترونية، بالكثير من الكتابات الشبابية حول درويش، منها ما يعبر بتلقائية المفجوع عن حالة الخسران والفقدان التي يعيشها الشباب الفلسطيني، ومنها ما يحاول مخاطبة روح الشاعر الراحل ببعض عبارات أدبية عن «زين الشباب»، كما يسمونه. يقول الروائي زياد خداش: «كان قلب درويش الذي صرعه المرض، شاباً بكل ما تحمل الكلمة من معنى. كان يمتلك قدرة فائقة على التواصل مع الشباب، والوقوف على أمــزجتهم واســتيعابها». ويضيف خداش: «في الزيارة الأخيرة لنا إلى أحد مطاعم رام الله، كانت هناك حفلة صاخبة حول المسبح. بدا فرحاً جداً بمشهد الشبان والفتيات وهم يرقصون, كان مرحاً ويحب الحياة، ويطبق في حياته اليومية مقولته «نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلاً». لطالما أحب الشباب وأحبوه هم بدورهم». الفاجعة كبيرة، يقول أنس السرايطة من الخليل، قبل أن يعرض نصاً أدبياً تحدث فيه عن درويش، ورأى فيه أن «شمس رام الله لم تشرق برحيله، واعتكفت على ملئها بالضوء، والنور فقد رحل نور فلسطين، وشعلتها». وتصف سلام القاضي، وهي طالبة جامعية أيضاً، رحيل درويش، بالحادث الجلل، مؤكدة أن الشباب الفلسطيني، يعيش حالاً من اليتم بعده، «فلا قصائد جديدة يعيشون معها، وفيها، ومنها ينطلقون نحو أفق أرحب». وتقول: «حضرت أمسيته الأخيرة في قصر رام الله الثقافي, كنت واحدة من الذين حظوا بوردة من الورود التي نثرها على جمهوره بعشوائية. ســأجففها وأحـــتفظ بــها إلى الأبــد فــفيها الــكثير من روحه». من جهتها أشارت إدارة مجلة «فلسطين الشباب»، إلى أن العدد المقبل سيخصص بأكمله لدرويش وعلاقته بالشباب، موجهة دعوة الى كتاب المجلة من الشبان والفتيات لتوثيق تجاربهم مع الراحل الكبير وعلاقتهم بنتاجه في عدد بعنوان «درويش في عيون الشباب الفلسطيني». وأكدت المجلة أن هذه الدعوة «ليست محاولة للبكاء أو الرثاء بل لسرد الحكايات، بالكلمات والصور». ودرويــش في عــيــون الــشباب «صــوت فلــسطــين الــنقي»، و»نبــعها الــصافي»، كما تــقول وفاء أحــمد، من رام الله. وفاء كــانت تترقب ضريح درويش، وتتلمس التراب الذي سيحتضنه فوق تلة قرب قصر رام الله الثقافي، قبل ساعات من دفنه. بكت بحرقة: لم يــسبق لها أن قابلته، لكنها كثيراً ما قضت ســاعاتها مع أشــعاره، التي تحفظ الكثير منها عن ظهر قلب. شــباب فلــسطين الــمفجوع، شــارك في كل مــسيرات الــشموع والــدموع، وعــلق ملصقات تحمل صــورة صاحب «أثــر الفراشة» على شــجر رام الله، وأعمدتها الكهربائية، وكتبوا في الــمنتديات الإلكترونية، وعلى صدر الصحف المتاحة لهم، وبكوا... بكوا كثيراً، قبل أن يطلقوا العديد من المبادرات منها إعداد جدارية عملاقة تحمل ما قاله في جداريته الشهيرة: «هذا الاسم لي، ولأصدقائي أينما كانوا, ولي جسدي الموقت حاضراً أم غائباً, متران من هذا التراب ســيكفيان الآن. لي متر و75 سنتيمتراً والباقي لزهر فوضوي اللون يشربني على مهل. هذا البحر لي, هذا الهواء الرطب لي, واسمي وإن أخطأت لفظ اسمي على التابوت لي. أما أنا وقد امتلأت بكل أســباب الرحــيل, فلــست لي... أنا لســت لي ... أنا لست لي...». الحياة |