|
لا عطلة للطلاب في المغرب... فالعمل يطرق أبوابهم |
|
|
|
نادية بن سلام
|
|
Monday, 25 May 2009 |
|
ما توقعاه حصل. هناك بضعة تفاصيل مختلفة عن توقعاتهما، إلا أنها لا تغير من الأمر الواقع شيئاً. أقفل عبدالعزيز الرسالة الأخيرة التي وصلت للتو على بريده الإلكتروني بعصبية بالغة قبل أن يكمل قراءة السطر الثاني منها، «ليس لدينا في الظرف الراهن...». تطلع إلى وجه كمال بيأس، فوجده يمد إليه بظرف يحتوي على رسالة مطوية بعناية فائقة. فتحها بفضول باهت. تحركت مقلتاه بسرعة خاطفة تبحث وسط البياض عن الكلمات المفتاح، وسرعان ما عثر عليها، وسأل صديقه متهكماً: «هل سبق ووصلتك رسالة مطوية بكل هذه العناية كأنها موجهة إلى شخص مهم جداً، فقط لتقول لك إنك لست كذلك»، عاجله صاحبه بسخرية مماثلة: «هذا لأن لديهم فائضاً من الوقت، يصرفونه باختلاق أعمال كل جدواها أن توهم المشغل بانهماكهم في العمل، عله يصرف التفكير عن الاستغناء عن خدماتهم».
سوف يعيش الصديقان موسم الصيف الجاري مختلفاً عما ألفاه في مواسم ماضية، فبسبب الأزمة الاقتصادية العالمية التي أرخت بظلالها على الحال الاقتصادية المحلية. لن يتمكنا من السفر وتمضية العطلة كما يرغبان على حسابهما الخاص. ظلا طيلة نهاية السنة الماضية وبداية السنة الجارية يحاولان تصديق تصريحات المسؤولين المغاربة بأن البلد في منأى عن تأثيرات الأزمة التي ضربت اقتصاديات العالم الكبرى.
على غير المألوف، أشعرت التصريحات الرسمية، وعلى لسان بعض كبار الخبراء، الناس بضرورة «الفخر» والاطمئنان الى أداء اقتصادهم الضعيف والمتخلف، لأنهم مدينون لهاتين الميزتين لاجتياز أزمة اقتصادية كبرى قصمت ظهور أعتى الاقتصادات في العالم. غير أن التأثيرات ظهرت لاحقاً في تراجع تحويلات المهاجرين المغاربة من العملة الصعبة والاستثمارات الأجنبية والسياحة والنسيج وتراجع الطلب الخارجي على المنتجات المحلية، ما استدعى الإقرار أخيراً بآثار الأزمة العالمية، ودعم بعض القطاعات المتضررة، مع الإبقاء دائماً على التطمينات المسنودة إلى موسم زراعي جيد غير مسبوق قد يفي بالطلب الداخلي.
ليس الحرمان من الحصول على فرصة عمل موسمية بالمشكلة العويصة في الوقت الراهن، فالصديقان لا يزالان يواصلان تعليمهما الجامعي في السلك الثالث، ويحاولان الاستفادة من أوقات الفراغ عند اقتراب حلول فصل الصيف، بالعمل أسابيع متفرقة في الصيف في قطاع السياحة، كمال مرشداً سياحياً، لدراسته شعبة التاريخ وتمكنه من ثلاث لغات ومعرفته الدقيقة بأجزاء المدينة، وعبدالعزيز، طالب العلوم التجريبية القوي البنية يتنقل بين أعمال الحراسة الشخصية للسياح الميسورين وحراسة مداخل الفنادق والسيارات. ما يدره عليهما العمل ليس بالشيء الكثير، ولكنه يعينهما على عدم الحرمان من تمضية العطلة الصيفية مثلما هي حال أسرتيهما، لا سيما أن والد كمال فقد حـديثاً عـمله في مصـنع للملابس الجاهزة، ووالدة عبدالعزيز مهددة في أي لحظة بالتسريح من عملها في أحد المطاعم الفاخرة.
لا آثار إيجابية واضحة للأزمة المالية العالمية على ما يبدو في الحياة اليومية للمواطنين المغاربة كما حصل في بعض البلدان، تكلفة المعيشة لا يزال مؤشرها متوجهاً نحو الأعلى، بخاصة في السنتين الأخيرتين، وبعد ارتفاع أسعار المحروقات. «المصروف الذي كان يغطي السكن والأكل والتنقل، ما بات يكفي ليغطي الأكل وحده»، قال كمال في إشارة إلى الارتفاع الكبير جداً في أسعار المواد الغذائية الأساسية حتى الآن. البحث عن عمل موسمي بات ضرورة بالنسبة الى الشاب الذي لا تزال أسرته تصرف عليه في التعليم «كي يؤمن البقاء»، قال عبدالعزيز، منحياً باللائمة على «ظروف الأزمة المحلية التي تتجاوز الأزمة المالية الأخيرة، نظراً إلى طبيعة الاقتصاد الوطني الليبرالي وارتهانه إلى تقلبات السوق الدولية».
يعي الشباب المغربي أنه جاء في وقت عصيب من تحول العالم إلى قرية صغيرة، في عولمة تطغى سلبياتها على الإيجابيات. قال كمال متحدثاً بلسان معاناة أقرانه: «الشباب المنتمي إلى قاع الطبقة المتوسطة يعاني كي يحظى بعطلة مريحة في الصيف، أما الطبقات الفقيرة، وهم الشريحة الأوسع للشباب، فلن يحظوا بها اصلاً».
دار الحياة الإثنين, 25 مايو 2009 الرباط – نادية بن سلام |