|
قضايا المياه والحفاظ عليها لا تعني الشباب المصريين على رغم «كارثية» الأرقام |
|
|
|
أمينة خيري
|
|
Tuesday, 20 October 2009 |
|
«مياه؟ هل مطلوب منا أيضاً أن نقلق على مياه ربنا؟!» سؤال استنكاري الغرض منه التعبير عن الضيق والضجر من نقاش دائر حول دور الشباب في الحفاظ على المياه. فتامر السيد (22 سنة) الطالب في معهد للدراسات الإلكترونية واحد من كثيرين في مصر مازالوا يعتبرون الماء «ماء ربنا» موزعاً على الجميع ولا يخضع لأية محاولات تقليصية أو ترشيدية أو حتى تنظيمية. ويستمر في تساؤلاته الرافضة قائلاً: «هل ستلحق المياه هي الأخرى بقوائم الممنوعات التي تخنقنا؟!».
تامر مهموم بمستقبله الذي لا يرى الكثير مما يدعو الى التفاؤل أو الأمل. وعلى رغم كل ما درسه وشاهده وسمعه عن القضايا المتعلقة بالماء والضرورة الحتمية للاهتمام به، والدور الذي يجب أن يلعبه الشباب في هذا الشأن، إلا أنه يعتبره أمراً لا يخصه، وإن كان لا يستبعد تماماً إمكان اهتمامه به، «ربما حين أصبح مليونيراً بعد عمر طويل، أو تحل كل مشاكلي ويكون لدي الوقت والجهد والرفاهية لأهتم بمشاكل كونية».
لكن ما لا يعلمه تامر هو أن المشاكل الكونية غير المباشرة أقرب إليه مما يتخيل. المؤتمر الذي استضافته جامعة الدول العربية الأسبوع الماضي بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لإطلاق مبادرة «حوكمة المياه في الدول العربية» لم يستوقف أحداً من مجتمع الشباب المصري على رغم أهميته، أو على الأقل أهمية ما يطرحه من مكامن خطر تهدد شعوب المنطقة، وبينها مصر بالجفاف.
هالة شوقي (18 سنة) لم تكن تعلم شيئاً عن المؤتمر أو المبادرة، ولكنها سمعت من قبل عن مبادرات ترشيد استهلاك مياه الشرب، وتتذكر اللوحات الإعلانية التي تصور صنبور الماء وتنزل منه قطرة مكتوب عليها «شريان الحياة». أبدت هالة علامات القلق حين دفعتها «الحياة» الى قراءة جانب من الأرقام التي وردت في فعاليات المؤتمر: نحو 15 في المئة من سكان المنطقة العربية لا يحصلون على المياه الصالحة (اثنان في المئة في مصر، و32 في المئة في اليمن)، ونسبة من يفتقرون لخدمات الصرف الصحي 30 في المئة (نحو اثنين في المئة في لبنان والإمارات و70 في المئة في السودان).
ويقدر حجم موارد المياه المتجددة في العالم العربي بنحو 265 بليون متر مكعب، أي ما يعادل ألف متر مكعب للمواطن العربي، مع العلم أن حصة الفرد عالمياً تعادل سبعة أضعاف هذه الكمية. ويتوقع أن ينخفض نصيب المواطن العربي بنحو 500 متر مكعب، بينما سيعيش 90 في المئة من سكان المنطقة العربية في دول تعاني نقص المياه».
السؤال الذي ألح عليها هو «ومتى يحدث هذا؟ في المستقبل القريب؟ يعني هل من الممكن أن نموت من العطش؟» وحين جاء الرد قاسياً: «نعم بالطبع! ليس هذا فقط، بل من الممكن أن نموت ونحن نقاتل بعضنا بعضاً في سبيل قطرة ماء!». وبعد قليل من عبارات تعكس التخوف والقلق مثل «يا ساتر يارب!» قالت بحماسة متناهية: «هذا خير دليل على أننا ابتعدنا من طريق الله»، وانصرفت إلى حال سبيلها وهي تدعو للأمة الإسلامية بالنجاة والهداية.
إلا أن حديث التوعية والأدوار الإيجابية التي ينبغي أن يلعبها الشباب في مسألة المياه ليست بعيدة تماماً من عالمهم في مصر، وإن كانت تلك الجزئية تقتصر على نوعيات بعينها من الشباب. إحدى تلك المبادرات المنتقاة شنتها شركة اتصالات خاصة تحت عنوان «الماء أصل الحياة» ضمن ما يعرف بـ «المسؤولية المجتمعية للشركات». و تأسست مجموعة على موقع «الفايسبوك» لهذا الغرض، لكنها تخلو من روح الحماسة والأفكار المبتكرة التي عادة تكون لصيقة بحملات الشباب. المجموعة تقتصر على بعض التعليقات المتسائلة عن طبيعة الحملة، بالإضافة إلى نقل المواضيع الصحافية التي نشرتها الجرائد.
حملات أخرى تشهد مشاركات شبابية تهدف إلى الدعوة إلى ترشيد استخدام الماء، أو التعريف بمشكلة شح المياه المتوقعة، أو طرق الحفاظ على الماء وغيرها، ولكنها تتسم بالموسمية أو الارتباط بمناسبات عالمية أو محلية تدعو المؤسسات والهيئات القائمة عليها إلى إدراج فعاليات ونشاطات شبابية ضمن جداول أعمالهم. هشام أحمد (19 سنة) شارك في عدد من الفعاليات التي نظمها المكتب العربي للشباب والتنمية ضمن مناسبات دولية. يقول: «على رغم أن القضايا التي تمت مناقشتها كانت مهمة وتحوي معلومات جديدة لم نسمع عنها من قبل، وأن هذه الفعاليات حوت جلسات شكلنا فيها مجموعات عمل شبابية وجهزنا بعدها خطة عمل خاصة بالحفاظ على الماء، إلا أنها تبخرت في الهواء بعد الحفلة الختامية».
وتعلل جنة طارق (18 سنة) طالبة ثانوي ضعف المشاركة الشبابية المصرية والاهتمام الشبابي عموماً بقضايا المياه البالغة الحيوية بأسباب عدة، بينها عدم وجود خطة طويلة المدى تتبناها الدولة أو منظمات المجتمع المدني لهذا الغرض. تقول: «لا نسمع عن قضايا المياه إلا وقت انعقاد مؤتمر أو صدور تقرير وحينها يخرج المسؤولون يحذرون ويلوحون بمخاطر الجفاف المقبلة، وينتهي المؤتمر ويهدأ التقرير وتعود الأمور إلى ما كانت عليه». وتضيف جنة سبباً آخر لركود الإحساس الشبابي بقضايا المياه وهو افتقاد مثل تلك الحملات عناصر الجذب، «فمثلاً مجموعات الفايس بوك التي تدعو إلى مقاطعة سلع دولة معينة لأسباب سياسية، أو عدم الاستماع لمطرب ما بسبب تصريحات عدائية تفوه بها، أو التوقف عن التعامل مع شركة خدمات إنترنت بسبب مغالاتها في الأسعار، أو حتى معارضة الحكومة بسبب تقصيرها في إنقاذ متضرري حادث الدويقة أو غرق العبارة أو غيرها كلها تتسم بالحيوية والإثارة والحركة عكس نشاطات المياه التي تتسم غالبيتها بروح الوعظ والإرشاد وافتقاد القدرة على تقديم الموضوع بروح شبابية».
لكن الحماسة لا تفتقد حين تقوم الدنيا ولا تقعد وقت الإعلان عن نسب المصريين الذين يصابون بأمراض الكلى والسرطان وغيرها بسبب مياه الشرب الملوثة، أو اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، أو استخدام مياه الصرف الصحي غير المعالجة لري الأراضي الزراعية. مجموعات عدة على «الفايس بوك» ومنتديات الدردشة بالإضافة إلى جمعيات حقوقية عدة تنشط في هذه الأحوال – والتي باتت متكررة في الأشهر القليلة الماضية. لكن الغضب الشعبي الشبابي لا يكفي لمواجهة الخطر القادم. تقرير التنمية البشرية الذي أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع وزارة التنمية المحلية لعام ٢٠٠٨ أشار إلى خفض نصيب الفرد من مياه الشرب فى مصر من ١٠٠٠ متر مكعب إلى ٦٠٠ متر مكعب فى عام 2017. الإثنين, 19 أكتوبر 2009 دار الحياة
|