|
مكتبات دمشق العامة: مكان تعارف أو ملاذ من صخب المنازل |
|
|
|
دار الحياة
|
|
على الكرسي المركون في زاوية المكتبة المركزية قرب نافذة مطلة على حديقة كلية الحقوق أقدم كليات جامعة دمشق، يمضي عبدالرؤوف نحو أربع ساعات يومياً في الدرس، وذلك في أوقات الدوام العادية بعد انتهاء المحاضرات. أما في الأيام التي تسبق الامتحانات فيدخل المكتبة منذ أن تفتح أبوابها في الثامنة صباحاًً ويبقى فيها إلى أن تغلق عند السابعة والنصف مساء.
وعبدالرؤوف طالب حقوق في السنة الرابعة، وهو على هذه الحال منذ أن دخل الجامعة. ويقول: «أفضل الدراسة في المكتبات العامة، فالجو فيها هادئ ويساعد على التركيز». وبصعوبة يكشف عبدالرؤوف عن دافعه الأساس لاختيار المكتبات العامة مكاناً للدراسة، فيقول بتردد: «بصراحة لا أملك مكاناً آخر»، محاولاً إخفاء ملامح الضيق التي بدت على وجهه بابتسامة مصطنعة. ويتابع واصفاً واقعه المعيشي: «أسكن مع عائلتي في منزل صغير، ويقاسمني غرفتي أشقائي الأربعة، ولا أتمكن من الدرس هناك». شباب آخرون غير عبدالرؤوف تدفعهم ظروفهم الى ارتياد المكتبات العامة في دمشق، سواء القائمة ضمن الحرم الجامعي أم التابعة للسكن المخصص للطلاب في ما يدعى مكتبة «المدينة الجامعية». منال مثلاً تدرس الأدب الانكليزي وتقيم مع والدها في ضاحية قدسيا، أي أنها ليست من المقيمين في السكن الجامعي، إلا أنها تفضل أن تذاكر في مكتبة «المدينة الجامعية» حيث يمكنها استعارة القواميس والمراجع التي تحتاجها من زملائها هناك. وبرأي منال، فإن «المكتبة تمتاز بالدفء المادي والمعنوي»، مشيرة إلى وجودها وسط أصدقائها في قاعة مكيفة على عكس منزلها حيث لا شيء سوى «البرد والوحدة في أغلب الأحيان» . ويبدو لقاء مجموعة الأصدقاء سبباً واضحاً يدفع الشباب الى الذهاب إلى المكتبات العامة، ففي مكتبة كلية العلوم يمضي صلاح الخطيب (سنة أولى كيمياء) كثيراً من وقته مع بقية أفراد «شلته» نور وليلاس ومعاذ. ويقول صلاح: «في منزلي جو هادئ ومن المفترض أنه مناسب للدراسة، لكنني لا أستطيع التركيز في البيت، ففيه كل وسائل إضاعة الوقت بدءاً من الهاتف والتلفزيون وصولاً إلى الانترنت». وتوافقه ليلاس الرأي، فهي تنجز قدراً كبيراً من المذاكرة المترتبة عليها عندما تكون بصحبة زملائها في المكتبة وتقول: «بالفعل هنا الاستفادة أكبر، خصوصاً عندما أود الاستفسار عن فكرة ما فأستعين بزملائي». وتضيف: «المهم بالنسبة إليّ أن الدراسة في المكتبة تزيل عني قلق الامتحان، فعندما أرى الجميع هنا يدرس أتشجع وتزداد رغبتي في المذاكرة، أما في المنزل فيرافقني الملل والقلق». وإذا كان بعض الطلاب يرتادون المكتبات العامة بدافع المشاركة، فآخرون يملكون أسباباً مختلفة منها الشعور بالانتماء إلى شريحة اجتماعية معينة وتحقيق الذات. فوحيد (طالب سنة ثالثة دراسات قانونية في التعليم المفتوح) يعمل طوال العام في قطاع الزراعة في قريته صلخد، التابعة لمحافظة السويداء، ويأتي إلى دمشق في فترة الامتحانات فقط. وأثناء هذه الفترة ينتهز الفرصة ليمضي نهاره يدرس في مكتبة الكلية «ليشعر أنه طالب جامعي» على حد تعبيره، فأولاد عمه الذين يسكنون في الشام «ليسوا أفضل شأناً» منه، فهم لطالما حدثوه عن «أجواء الجامعة ومتعة الدراسة في المكتبة». وإذا كان طلاب كثر اعتادوا الدراسة في المكتبات العامة، بيد أن البعض لا تروق له الفكرة أبداً. مريم يزبك وهي طالبة لبنانية تدرس الفلسفة في جامعة دمشق، تجد أن المكتبات العامة مناسبة للمطالعة والقراءة الأولية فقط وليس للمذاكرة. تقول: «أذهب أحياناً إلى مكتبة الأسد لإنجاز حلقات البحث التي نكلف بها في الكلية، إلا أنني عندما أود المذاكرة، فأسلوب دراستي لا يناسبه أبداً أن أكون في مكان عام كالمكتبة، فأنا أقرأ بصوت عال وأحتاج الى أن أكون بمفردي». ويوافقها الرأي ميشال (سنة ثالثة طب)، فهو يرى أن الدراسة لا تصلح أبداً إلا في البيت لأن «المكتبات العامة تحولت إلى أماكن تعارف» كما يقول. ويضيف: «سابقاً كنت أدرس في مكتبة المدينة الجامعية، لكن توقفت عن ذلك لأن كثيراً من الطلاب لا يلتزمون آداب الدراسة في المكتبات ويستغلون غياب المشرفين، ليبدأوا بتبادل أطراف الحديث أو الرد على اتصالات هواتفهم النقالة التي لا تعرف الصمت». شام من جهتها تعارض فكرة الدراسة أو المطالعة في المكتبات العامة لأسباب شخصية بحتة تختلف عن الباقين، فعلى رغم حاجتها الى الذهاب إلى هناك كونها في السنة الأخيرة حيث تكثر الأبحاث والمشاريع، إلا أنها تمتنع عن ذلك الآن. وتقول: «كانت المكتبة العامة بالنسبة إليّ مكانـاً أستمتــــع فيه أكثر من أي مكان آخر، كنت أمضي معظــــم وقتي هناك». وتصمت شام قليلاً لتتنهد ثم تستدرك: «لكن منذ مدة عامين تعرفت في المكتبة الى شخص جمعتني معه في ما بعد صداقة متينة، كنا نتبادل أطراف الحديث أثناء فترة الاستراحة ونتناقش في أمور شتى...». ويختنق صوت شام حين تحاول الخوض في التفاصيل فتكتفـــي بالقـــول: «بعد أن تغيرت علاقتي به أصبحــــت المكتبــــة تشكل لي ذكرى مؤلمة». |