نطوّل "التنورة" أم نقصرها !
ثناء الكردي   
Saturday, 28 June 2008
من المثير للضحك أن الشباب والبنات من خريجي الجامعات في بلادنا كان يحفزهم الأمل على التفوق ،على الرغم من كل الحواجز التي يجدونها أمام بلوغهم مرامهم في واقع أصبح فيه اسم أيُّ شئٍ يذكر فيه للمرة الأولى من المستحيلات حتى باتت المستحيلات تفيض على الممكنات وتسحقها. كم تجد بين هذه الفئة من كان طموحاً لدرجة أنَّ مشاعر الحماس كانت تلون يديه وجنبييه وهو طالب في الجامعة،ولا يلبث بعد استلام أوراق تخرجه بلا لون أو طعم أو رائحة لصنوف الرياضات النفسية التعسفية التي يلقاها رغماً عنه في تجواله خلال رحلته الكئيبة للبحث عن عمل.

على الرغم من الإشاعات التي يتداولها الناس في منتدياتهم كون باب العمل مفتوح على مصراعيه أمام الفتيات وأن الفرص سانحة أمامهم أكثر من الشباب مفسرين ذلك أن الحركة التجارية في عصرنا بحاجة للنساءكعامل ترويجي لعملية تسويق السلع والمنتجات أما بأيَّة كيفية يتم ذلك فلا أحد جاهل بما يدور وراء الكواليس!!

سؤالي الآن ؟ هل المطلوب في سوق النخَّاسين (عفواً) في سوق التجارة هو النٍّساء بمطلق التسمية بغض النظر عن الكفاءات العلمية والمستوى الثقافي؟؟

أم يشترط للعمل نوعيَّة معينة منهن لإكمال الخطة التجارية التي باتت تقضي على الفقراء تدريجياً وتسمح للأغنياء بزيادة أرصدتهم بنسبٍ خيالية لدرجة وصول مقلتيك إلى مرحلة المناعة ضد البكاء لاعتيادهماعلى رؤية مظاهر الفقر المدقع في الشوارع و التي يتقطع لها القلب ويخجل من تواجدها كل ذي نخوة.

إعلانات العمل

ثلاث أو أربع جرائد أسبوعية محلية تصدر في دمشق صباح كل سبت تعني بنشر الإعلانات بأنواعها (ألبسة ،أطعمة ،مفروشات ،بالإضافة إلى فرص العمل ) وما يهمنا في الأمر الأخيرة منها .

خريجة الجامعة التي تبدأ التعرف على العالم المحيط ،والذي يبدو غريباً أمامها في كل تفاصيله،تشعر في لحظة وكأنها عاشت فتراتٍ طويلة من الغفلة والسَّذاجة والغباء ،ستسأل نفسها:أولم تكن تعيش قبل ذلك في وسط اجتماعي ؟أولم تكن تتعامل مع بشر ؟-وكيف لا وقد أمضت سنين غير قليلة من حياتها في الجامعة ،لكن يبدو أنَّ المحيط الاجتماعي الذي عاشت معه كان أقرب إليها من البيضة منه إلى عالم الوحوش ، ولا أعتقد أنَّ التشبيهان مبالغٌ فيهما البتّة .

صنفين من الإعلانات الأكثر رواجاً ستجد أمامها :

أما الصنف الأول فسيكتب كالتالي: مطلوب موظفة لبقة أنيقة ذات مظهر لائق (العمر بين 18- 25) الراتب مغرٍ,والخبرة غير ضرورية.

لو تمعنّا في هذا الإعلان ترى ماذا سنفهم منه؟ وأي نوعية من الفتيات مطلوبات وماذا ستعمل بالضبط فتاة بهذه المواصفات ؟وما معنى المظهر اللائق؟؟هل هو أن تذهب الفتاة إلى العمل وثيابها نظيفة ومكوية؟أم أنَّ المعنى في قلب التَّاجر!؟

وأمَّا الصنف الثاني فسيكون كالتالي : مطلوب موظفة محجبة جامعية ذات خلق ودين (بغض النظر عن نوعية العمل المطلوب).

المفهوم من الإعلان للوهلة الأولى أنَّ المطلوب فتاة ملتزمة متعلمة جديَّة في العمل ولن يتشكل أيُّ شكٍ في داخلها عمّا سيدور في ذهن رب العمل.

سنحاول تحليل الأحداث التي تجري مع الفتاة التي ستتقد م إلى النوع الأوَّل من الإعلان.
ستقرأ الإعلان ببراءة وهي تعتقد أن لا داعي لأيَّة مخاوف أو شكوك،لأنها مقتنعة في قرارة نفسها أن لها باع طويلة في الحياة!! ولن تتخيّل في لحظة أنَّ المطلوب منها هو التنازل عن 80 بالمائة إن لم يكن مئة بالمئة من الخلق الذي تملكه حتى يتمكن لها التوظف بالمواصفات المعروضة في الإعلان.

ولن يكون لها أيُّ ذنب في رفضها من قبل ربِّ العمل سوى أنَّها تربَّت على الكرامة والخلق،صفتان أمستا من الصفات المعيب ذكرهما في نطاق العمل .

أما رب العمل فستكون صدمته جدّ عظيمةعند رؤيته لها وهي أنّها كيف تجرأت حتى على المجئ بهذا المظهر غير اللائق؟! على الرغم أنّها كوت ملابسها بإتقان!! ستفهم حينها أنَّ الحكيم فارس كرم ما أخطأ عندما غنّى أغنيته الخالدة في الإشادة بالفتاة التي يرغب أن تعمل معه اللي بتقصير تنوره) وستعلم أنّ تنورتها كانت أطول بكثير من المطلوب . ستخرج بعد عدة لقاءات محطمة النفس وستعلم أنَّ العلم الذي شيَّب شعرهاوأسقط جُلَّه وأنَّ فرص الزواج التي ضيعتها من أجله ماكان لازماً أمام هذا الواقع المتردِّي إلى هاوية الرّذيلة. ستندم على كل لحظة فكرت فيها بزيادة معارفها ...

على كل لحظة تخيلت فيها أنَّها من الممكن أن تقدِّم شيئاً ثميناً لبلادها ومجتمعها.... على كل ثانية استغرق فيها تفكيرها في التَّخرج لتحسين وضعها المعيشي ......وستندم ساعة لا ينفع الندم لعدم متابعة أغاني ميريام ومايا وهيفا أنَّ مدرستهن كانت ستكون أنفع بكثير من جامعتها التي بذلت لها الجهد والمال.

هنا سترى الفتاة أنه من الأفضل لها أن تبحث عن إعلانات من الصنف الثاني :

ما علينا ...ستذهب هذه المرة وهي أكثر تفاؤلاً كون الإعلان الثاني أقرب إلى شخصيتها من الأوّل أو كما هي تعتقد وترسم لنفسها.

لكن صدمتها الثانية لن تكون أقل وقعاً على من الأولى،لأنَّ رب العمل المحترم بشكل زائد عن الحد سيفاجأ بمظهر التّعيسة!!لماذا!!؟؟؟لأنّها ليست صاحبة خلق ودين ،ذلك أنَّ ثيابها ليست بالاحتشام المطلوب ، سيستغفر الله سبعين مرّة على رؤيته لها وكأنَّه رأى شيطاناً حين لقيها،لأنَّ ثيابها لابد أن تكون فضفاضة أكثر ، وحجابها ملون بشكل ملفت للأنظار ،(أحكامٌ استقاها من عقله الضَّيِّق )أو من التوجه التنظيمي الذي ينتمي إليه ويفرض عليه تعليمات تجعله يتحول إلى مخلوق مدجَّن عاجز عن التفكير واستخدام عقله أصلاً.

طبعاً ستبلع الموقف ولن تصاب بالتأكيد بالشيزوفرينيا ولن تيأس...!!!!!!( ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون).

لماذا التطرف الفكري؟

حالات عديدة وعديدة من التطرف الذي نعيشه في كل لحظة من حياتنا مهما كان توجهها فإنها مؤلمة تخدش الكرامة وتطعن في الشخصية، تشعرك وكأنك نص في ملف الو ورد تطبّق عليك التنسيقات المختلفة، أمور وتوجيهات تطلب منك لا تنظر إليك إلا من الخارج،متجاهلةً الكم الهائل من الأحاسيس الآدمية التي تحياها كونك آدمي ولست آلة.

لماذا تندر الوسطية شيئاً فشيئاً ويتقلَّص حجمها لتقترب مع مرور الزَّمن إلى عمله شبه معدومة ينذر الزمن بانقراضها؟؟

ما المانع من إعادة التوازن بين حالاتنا التي نعيش ؟؟

فلنرخ الحبال تارةً ونشدها أخرى لنصل إلى حدٍّ نطمئنُّ فيه أن حبال العلاقات في المجتمع لن تنقطع بتمددها مع ارتفاع درجة الحرارة وتقلصها مع قدوم الصقيع إلى البلاد .

كلمة أخيرة لكلِّ ذي ضمير :

حافظوا على جيل الشباب من الضَّياع وهو يعيش حالة الصراع بين الحالات المتطرِّفة التي يبصرها كل لحظة من لحظات حياته.لأنّه الثروة والأمل ..الخوف وجُلَّ الخوف أن لا ننتج سوى أجيالاً مريضة....

علينا أن نضبط أفكارنا ٌونتعب عليها قبل أن نغامر ونظهرها للآخرين ونتاجر بها مسمّمين بذلك مجتمعاتنا النّظيفة التي ما نمت ولا خلَّفت حضارة عريقة في الماضي إلا بالفكر المنفتح المتسم بتقبل ا لآخر

 

الجزيرة توك