| «الحيار» وعد زواج في الطفولة يسلب أحلام الشباب |
| عفراء محمد | |
| Sunday, 08 February 2009 | |
|
عيون يملؤها الخوف من المستقبل وابتسامة لا تخفي الترقب وآهات داخلية تخشى البوح لما قد يترتب عليها من عقوبات يفرضها الأب أو العم أو حتى أبناء القرية. هذه حال رنيم الجاسم التي تعيش في ريف حلب وتحسد كل فتاة يرجع قرار الزواج إليها، فيما هي مغلوب على أمرها ومجبرة على الزواج من ابن عمها الذي «لا تطيقه» كما تقول.
وقبل أن تسألها تبادرك رنيم بنظرات استعطاف لإيصال صوتها الذي كتب الخنوع والرضا بما تقرر. تقول: «كلمة القرن الحادي والعشرين تثير سخريتي، فأي قرن هذا الذي لا تزال فيه عادة الحيار تنتهك حرية المرأة وتفرض عليها الزواج بمن لا ترغب فيه»؟ وواقع رنيم هو مثال عما يحدث في الكثير من الأرياف السورية حيث تنتشر عادة «الحيار» أو قطع وعد بتزويج الفتاة المولودة حديثاً لأحد أقربائها. ومنذ ان وضعتها أمها «ربطت» رنيم إلى ابن عمها بعلم جميع أفراد العائلة. وكنوع من الضمان قام عمها أي والد العريس بقطع كمّ ثوبها وهي العادة المتعارف عليها في زواج «الحيار». والمغزى من ذلك بحسب العرف السائد «ربطها من يدها حتى لا تخطب لغير ابن عمها» كما تقول والدة رنيم. وها هو عم رنيم يظهر القطعة القماشية في الوقت الراهن بحضور وجهاء القرية لمناسبة بلوغ رنيم الخامسة عشرة، وهي الســن التي يــتم فيها الــزواج وفقاً لــعادة «الحيار». وفي هذه الأثناء يتم التحضير للزواج من دون أية مراعاة لرأي رنيم أو ومشاعرها, أو لرأي العريس. ويقول مصطفى الدويري أحد وجهاء البلدة :«رنيم لأبن عمها شاءت أو أبت وويل لها لو تجرأت ورفضته لأنها ستدفع الثمن باهظاً لترغم في النهاية على الموافقة». والثمن قد يبلغ في بعض الأحيان حد القتل دونما رحمة أو شفقة. حتى هذه اللحظة رنيم في حال ذهول وقلق كبيرين على رغم معرفتها المسبقة بأنه تم ربطها لأبن عمها، لكنها لا تزال غير قادرة على تقبل الفكرة. وهي كانت تشعر دائماً بأن هذا الزواج لن يتم لأنه خارج عن إرادتها. وتقول :«أصلي كل يوم لحل مشكلتي التي أشــعر بأنها ســتدمر حياتي بكاملها». وتحلم رنيم بأن تكمل دراستها لتحقق نفسها في المجتمع وتحاول إيجاد حلول لعادات «بالية» كـ «الحيار» التي تعتبرها «خرقاً لأبسط حقوق الإنسان». وتقول رنيم: «لم تورثنا هذه العادة سوى التقوقع داخل قرية صغيرة محاطة بأسوار التقاليد وسجونها التي يصعب اختراقها». وتروي صديقتها نور مبارك إن الحوادث التي حصلت نتيجة لرفض الفتاة لتلك العادة كثيرة «كحرمان الفتاة من الذهاب إلى المدرســة ووضــعها تحت الأمر الواقع في بيت الزوجية». تنتظر رنيم الصباح كي تلملم كتبها المتناثرة حولها رغبة بإشباع عينيها من مقتنياتها المدرسية التي تعتبرها من الأشياء القليلة جداً الذي تعود لها حرية التصرف بها. ولكن حتى مع تنفس الحرية عبر تلك الكتب هناك من ينتظرها على الطرقات لتعكير مزاجها. فخطيبها الذي يبلغ السادسة عشرة يراقبها طيلة اليوم وهي شغله الشاغل. هو لا «يريد للهواء أن يمر بقربها» كما يقول. أما رنيم الممتعضة من ذلك التحكم فتقول: «إنه يــقيدني ويريد التحكم بالطعام الذي أتناوله». وتضيف: «تصرفاته صبيانية وهو أمّي وليس لديه مصدر دخل سوى المال الذي يعطيه له أبوه». وبين المضايقات التي تتعرض لها تارة من قبل أهلها بضرورة الكف عن الذهاب إلى المدرسة بسبب اقتراب حفلة زفافها، وتارة أخرى من قبل خطيبها الذي لا يروق له «تسكعها» على الطريق المؤدي إلى المدرسة تصرخ رنيم في باحة المدرسة على زميلاتها كتنفيس عما يجول بداخلها. لكن يبدو إن رنيم بلغت حد الملل واليأس من وضعها بعد فشل كل المحاولات لإنهاء معاناتها «أحياناً أفضل الموت على هذا الوضع فأي حياة تنتظرني»؟ ويحذر طاقم التدريس في الأرياف من سلب إرادة الأنثى واتخاذ قرار تحديد مصيرها بمعزل عن رأيها لأن ذلك ستكون له آثار خطيرة تنعكس في ما بعد على بنية الأسرة وتؤدي إلى إحداث «فجوة بين الأم وأبنائها من جهة وبينها وبين زوجها من جهة أخرى» كما تقول نسرين جمول وهي تعمل مرشدة اجتماعية في مدرسة رنيم. وعلى رغم انتشار تلك الظاهرة في الريف الشمالي من سورية، إلا إن هذه العادة تم الحد منها في حلب المدينة التي كانت تنتشر فيها حتى وقت قريب. ولعل لازدياد حالات الطلاق التي نجمت عن هذا الزواج الأثر الإيجابي بين بعض الأسر الحلبية والتوقف عن ممارسة عادة «الحيار». هبة علي ( 16 سنة) تسكن في مدينة حلب تزوجت أخيراً من شخص لا تربطها به صلة قرابة. وتقول: «تحدث كثيرون من أقربائي مع أبي بشأني، لكنني رفضتهم ولم آخذ قراري النهائي إلا بعد اقتناعي بزوجي الحالي». وحاولت الجهات القضائية في حلب ومدن سورية أخرى كالرقة العمل على التنبيه بخطورة هذه العادة إلا إن جهودها لم تفلح في إصدار قرار يلزم أولياء الأمور بعدم تزويج بناتهن بالغصب والإكراه. والسبب في ذلك هو «النظام العشائري الذي ما زال يحكم الريف السوري الشمالي بحجة الحفاظ على نقاوة دم العائلة» على حد تعبير أستاذ القانون عمر هميشو. حلب – عفراء محمد الحياة - 02/02/09// |